إنت حبيبي

إنت حبيبي
المصدر: غادة عبد العال

حين تمت خطبة إحدى صديقاتي تابعتها و هي تمر بكل مراحل تطور الفتاة المخطوبة المتعارف عليها في مجتمعنا ، بدءا بالحديث همسا لواحدة من زميلات العمل لساعات يوميا ضاربات بوقت العمل ومسؤولياته عرض الحائط، مرورا بطوارئ شراء فستان خطوبة وحجز القاعة والدي جي التي يبدو أنها الخطوط الأساسية لأي حياة زوجية سعيدة هذه الأيام حتى مرحلة مكالمات التليفون التي تتكرر كل نصف ساعة والتي تدفع بقيتنا للتساؤل “هم بيقولوا إيه في المكالمات دي كلها؟ جتنا نيلة في حظنا الهباب”.

كل هذا طبيعي ومنطقي و تكرر أمامنا عشرات المرات حتى أيقنا أنه ربما كان هناك “كتالوج” للخطوبة تتلقاه كل فتاة فور ارتدائها للدبلة الذهبية ولابد أنه يشتمل على تعليمات محددة لأداء تلك الخطوات بالتفصيل، تعودت على تلك المشاهدات ولم أعد ألقي لها بالا إلا أن ما يثير تعجبي دائما هو السرعة التي تضع بها زميلتي المخطوبة لقب “حبيبي” بجوار اسم خطيبها في قائمة أسماء تليفونها المحمول.
ولأن معظم الزيجات التي تحدث حولي زيجات تقليدية، فأنا أعرف مسبقا أن وقت تعارف صديقتي وخطيبها لم يتعد الـ 3 أسابيع، ولأنني لست من المؤمنات بنظرية “الحب من النظرة الأولى” إلا إذا كان خطيبك هو جورج كلوني أو براد بت، فلا يسعني إلا التساؤل إن كانت صديقتي –مثل الكثيرات قبلها- قد عاشت عمرها كله تحلم بأن تطلق تلك التسمية على أحدهم “حبيبي” ظلت تسمعها مرارا و تكرارا في أفلام “فاتن حمامة” و أغنيات “عبد الحليم حافظ”، وفي المسلسلات العربية منذ أن حلت شاشة التليفزيون ضيفة دائمة في البيوت، ولأن مجتمعاتنا وعائلاتنا وبالأخص أمهاتنا قد حذرننا دائما من هذا المسمى الخطر “الحب” وأطلن الشرح في الآثار الكارثية التي ستحل بنا إن سمحنا له يوما بالتطفل على حياتنا، كأن تطول أنوفنا أو تتهدل بشرتنا أو تتمرغ سمعتنا في الوحل ونعيش أيامنا و ليالينا نصرخ صرخات تتفوق على صرخات نادية الجندي أثناء تعذيبها في أي فيلم وطني مخابراتي شهير؛ لهذا فصديقتي مثلها مثل الكثيرات غيرها تعتبر الموافقة على الخطبة هي الإشارة الخضراء التي تسمح لها بإطلاق هذا المخزون من المشاعر المكبوتة التي ظلت لسنوات تختزنها في انتظار أن يسمح لها المجتمع بأن تطلقها من محبسها وأن تحب وكأن قاعدة “إذا لم تعمل ما تحب، فأحب ما تعمل ” يمكن أيضا تعديلها لتكون “إذا لم يسمح لك بأن تجدي من تحبيه، فأحبي من تسمح لك الظروف أن تجديه” أو بمعنى آخر (حبي اللي تلاقيه قدامك وخلاص، إنتا لاقيه ؟!) تنفذ صديقتي النصيحة و “تقرر” أن تحب خطيبها وبعد أن فسخت الخطبة وتمت خطبتها لآخر نامت باكية ثم استيقظت من نومها وقررت أن تحبه هو أيضا وبعد أن فسخت خطبتها من الثاني هي الآن أيضا تحب الثالث وتكلل إسمه على تليفونها المحمول باللقب المحبب لكل صديقاتي المخطوبات “حبيبي”. لا أستطيع أن أتهمها بأنها تعيش وهما كبيرا، لأنني أيضا من نفس الجيل الذي لوح له المجتمع بـ”الحب” كقطعة من الحلوى أمام طفل صغير وقبل أن يمد يده ليأخذها صرح له المجتمع بأنه مصاب بداء السكري.
لهذا ونيابة عن كل بنات جيلي والأجيال التالية، أطالب مجتمعاتنا بتوضيح ماهية هذا “الحب” الذي نسمع عنه في الأفلام والأغنيات منذ أن فتحنا أعيننا على تلك الدنيا الواسعة، هل هي مشاعر يمكننا الاستسلام لها والتمتع بها دون خوف أو قلق؟ أم هي مشاعر يجب علينا أن نقاومها ونحاربها فور شعورنا بها ثم نقوم باستدعائها لاحقا شريطة أن يسبقها حفل خطوبة وفستان ودبلة ذهبية ودي جي ؟ لا تدعونا نتخبط في ظلمة هذا الغموض، فليجلس الكبار سويا ويقرروا بشكل نهائي إن كان الحب شيئا معيبا أم عاطفة سامية. ولتبلغونا بقراركم النهائي لأن دليلنا قد احتار معكم أجمعين.
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث