عن تاريخ العرب غير المقدس

عن تاريخ العرب غير المقدس

محمد سناجلة

أثارت مقالتي السابقة _كما هو متوقع- عددا كبيرا من ردود الفعل الغاضبة والمستنكرة لما طرحته عن تاريخنا كأمة غازية استطاعت في فترة قصيرة جدا من عمر الزمن احتلال معظم مناطق العالم القديم.

وكالعادة وردني عدد كبير من التعليقات والمسبات والشتائم وصولا الى التهديد والوعيد بالموت والثبور لي، وكثير من التعليقات كفرتني واعتبرتني مرتدا ملحدا لا أمت لأمة لا إله إلا الله بصلة!

كل هذا عادي ومتوقع وقد اعتدت على المسبات والشتائم والتعليقات الجارحة منذ كنت شابا صغيرا في بداية عمري، المشكلة ليست هنا، ولكن المشكلة أن معظم من هدد وتوعد وسب وشتم هم من الشباب صغير السن الذي لم يقرأ تاريخ أجداده وأمته بشكل صحيح، وربما لم يقرأ شيئا أصلا واكتفى بسماع ما يقوله له تجار الدين.

وللأسف الشديد صار شبابنا بل السواد الأعظم من أمتنا يتعامل مع التاريخ الذي كتبه بشر كشيء مقدس لا يجوز المساس به.. التاريخ ليس قرآنا من الله وليس مقدسا بالمرة، وقد كتبه بشر لهم أهواء وانتماءات فكرية وعقائدية مختلفة، ولم يكونوا منزهين عن الخطأ والصواب.. التاريخ عموما ليس مقدسا على الإطلاق، وتاريخنا نحن كعرب أبعد ما يكون عن التقديس.

لماذا؟

لأن تاريخنا كأمة عربية ومنذ بدء الفتنة بين الصحابة قد طاله التزييف والتحريف وكتب أصلا في عصور متأخرة جدا بداية من العهد الثاني للخلافة العباسية، ويكفي أن نعلم أن أعظم وأجل كتب التاريخ عند العرب وهو تاريخ الرسل والملوك للطبري قد كتب نحو عام 250 هجرية، أي بعد زمن طويل من وفاة الرسول (ص) والصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

ولم يلحق التزييف والتحريف فقط التاريخ، بل وصل الى الحديث النبوي الشريف حيث نجد عددا لا يكاد يحصى من الأحاديث المزيفة والضعيفة والمجروحة التي وضعت على لسان الرسول الكريم.

فهل نعتقد بعد هذا بقدسية التاريخ؟!

التاريخ غير مقدس، وأناس مثل يزيد بن المهلب وقتيبة بن مسلم ليسوا مقدسين بالمرة، هؤلاء كان يسميهم الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز بـ”جبابرة الأرض” أما الصحابي خالد بن الوليد فقد كان في سيفه رهقا كما كان يقول عمر بن الخطاب (رض) بل إن الرسول الكريم (ص) نفسه قد تبرأ من فعل خالد وذلك كما ورد في الحديث الصحيح، وأسرد القصة هنا للشباب الذي لم يقرأ تاريخ أمته بعد أو ما يزال يعتقد أن التاريخ والبشر مقدسون كالقرآن الكريم.

تقول القصة كما وردت في صحيح البخاري إن رسول الله (ص) أرسل خالدا بن الوليد إلى بني جذيمة داعيا لهم إلى الإسلام وكان بنو جذيمة قتلوا في الجاهلية عمه الفاكه بن المغيرة . فلما جاءهم بمن معه قال لهم : ضعوا أسلحتكم فإن الناس قد أسلموا . فوضعوا أسلحتهم ، وأمر بهم فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل منهم مقتلة عظيمة، (هذا وهم مسلمون) فلما انتهى الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، رفع يديه إلى السماء فقال – كما في باب بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كتاب المغازي من صحيح البخاري- :”اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد. قالها مرتين”.

ولا أزيد على ما قال الرسول الأمي الكريم (ص).

وبعد، أنصح شبابنا الذي يسب ويشتم ويكفر من يختلف معه بالرأي، وقد يغرر به فيقوم بقتل من يقال لهم إنهم ملحدون وكفار، أقول لهم، اقرأوا أولا، وحين تقرأون، تحرروا من هالة التقديس والتبجيل حول ما تقرأون، لا شيء مقدس إلا الله سبحانه وتعالى أما البشر فكلهم يصيب ويخطيء وهم غير مقدسين على الإطلاق… تحرروا من الخرافات والأوهام، واقرأوا بعين الناقد المحلل لا الضعيف المسلّم والذي يغيب عقله… صدقوني المطلوب هو تغييب عقلكم ليسهل قيادكم وجركم كي تكونوا وقود حروب لا ناقة لكم فيها ولا جمل، وما يحدث في سوريا والعراق ومصر واليمن الآن خير دليل… إنهم يستغلون جهلكم وفقركم، ويلبسون لكم لبوس الدين والاسلام ويعتبرون أنفسهم ظل الله على الأرض والله منهم براء..

اقرأوا وفكروا فيما تقرأون وتأكدوا أنه لا يوجد شيء مقدس أبدا…

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث