داعش وداعس

داعش وداعس

تاج الدين عبد الحق

المضحك المبكي، أن تتنطح “جبهة النصرة” للتوسط بين المتقاتلين في سوريا، وكأنها من يمثل التعقل، ويعبر عن الاعتدال. وجبهة النصرة لمن لا يعرف هي النسخة السورية من تنظيم القاعدة، وهذا ليس اتهاما بل إقرارا لواقع أعلنه زعيم التنظيم الدولي للقاعدة أيمن الظواهري، وأظهرته صور الفيديو، والعديد من التقارير التي صدرت عن عمليات هذه الجبهة على الأرض السورية.

النصرة، وداعش أو داحس لا فرق، هما وجهان لعملة واحدة، لا تصرف إلا في ميادين الجهل والتخلف، ولا يرجى من وراء عملياتهما المشينة، أي خير لسوريا، لا شعبا ولا وطنا. وهما إلى جانب الفصائل المتطرفة الأخرى من أفسدا على المعارضة السورية تضحيات ثلاث سنوات كاملة، ووضعا هذه المعارضة في مواجهة جديدة قد تستمر سنوات وتقضي على البقية الباقية من أمل الحرية الذي داعب خيال السوريين ذات يوم.

داعش والنصرة وغيرهما من حركات الإسلام السياسي سيناريو يتكرر مرة بعد مرة، ونلدغ منه باستمرار حتى غدت لدينا بلادة ولا مبالاة، إزاء ما ينفثه هذا السيناريو من سموم وأمراض. هذان التنظيمان وغيرهما ليسا أكثر من مثلين على الطريقة التي تم فيها استخدام الدين في تنفيذ أجندات سياسية مسمومة مرة بعد مرة.

بين داعش وداعس، لا خلاف إلا في التنقيط. فما الذي تختلف به داعش كتنظيم عن النصرة أو عن الجبهة الإسلامية وغيرها من المنظمات، من حيث طبيعة التسلط الذي تمارسه على عباد الله، لمنعهم من ممارسة حقوقهم الإنسانية الطبيعية، ما الفرق بين داعش التي تعتبر أن من يستخدم فرشاة الأسنان بدلا من السواك كافرا، والنصرة التي تعتبر أن لبس البنطلون بدلا من الدشداشة القصيرة خروجا عن الملة. وما هو الفرق بين من يفتي بجهاد النكاح، ومن يفتي بتحريم تعليم المرأة.

داعش ليست المنظمة الأولى التي تفرزها فوضى إقحام الدين في العمل السياسي، كما أن هذه المنظمة لن تكون الأخيرة في مسلسل العنف الذي ابتليت به المنطقة، وتسبب لها في كوارث وخسائر أكثرمما سببه أعداء الأمة والغرباء عنها. ولذلك فإن أي جهد يبذل للتعاطي معها أو التعامل السياسي معها، بخلاف أنها منظمة إرهابية هو عمل محرم، و جهد ضائع وضار. كما لا يجوز أن تكون مواقفنا تجاه النظام في سوريا مبررا، وعذرا للسكوت عما تقوم به هذه المنظمة وغيرها من المنظمات المماثلة. فهي عامل معيق، لعملية التغيير، إلا إذا كنا نريد التغيير من أجل التغيير، وبأي شكل وبأي اتجاه حتى لو كان لمزيد من القمع ومزيد من المعاناة.

السكوت على ما تقوم به تلك التنظيمات، والتلكؤ في التبرؤ من أفعالها، بغض النظر عن اللافتة التي تعمل تحتها، هو وصفة لخلق مزيد من منظمات الإرهاب الأكثر تشددا والأكثر تطرفا مما عرفنا وجربنا في السابق.

ولعلنا ونحن نستعرض تاريخ الحركات والمنظمات الإسلامية التي اتخذت من العنف منهجا، سنرى كم تطورت مفاهيم تلك الحركات وأساليبها في العمل. وكيف أن السكوت عليها ارتد على من دعمها أو غض الطرف عن أعمالها.

فالقاعدة، والحركات الجهادية الأخرى نبتت في الأساس من رحم حركة الإخوان المسلمين التي طرحت نفسها في البداية كحركة دعوية وتربوية لتنقية الدين من الشوائب والبدع التي علقت به، لكنها ما لبثت أن تحولت إلى أداة سياسية بيد قوى أقليمية ودولية استخدمتها في تصفية حسابات أو ضرب خصوم.

رأينا ذلك في الخمسينات والستينات عندما تم احتضان حركة الإخوان لمواجهة ما كان يعرف بالمد القومي، ورأينا ذلك عندما تم تطوير هذا الاحتضان بإنشاء ودعم منظمة القاعدة في أفغانستان بحجة إحتواء التدخل السوفيتي والتصدي للمد الشيوعي في العالم الإسلامي، ووجدنا مثل هذا الاستخدام عندما أنشئت حركة حماس الفلسطينية التي ظلت تعمل زمنا في حضن الاحتلال، قبل أن يفتح لها مجال العمل السياسي والعسكري، و لتصبح بعد ذلك عنوانا من عناوين الانقسام في صفوف الشعب الفلسطيني.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث