قبل صياح الديك

قبل صياح الديك
المصدر: يوسف ضمرة

حين يدخل كاتب كبير مثل صبري موسى المستشفى، ويرفضون علاجه إلا بدفع تأمين مادي كبير، فإن على هذه الأمة السلام.

صبري موسى واحد من هذه الجماعة التي جربت الجوع والتهميش، على رغم كل ما قدمه من إبداع لمصر وللعالم العربي كله، بدءا بسيناريوهات سينمائية مميزة مثل فيلم”البوسطجي” الذي شكل علامة فارقة في السينما المصرية، إضافة إلى أفلام أخرى مثل”قنديل أم هاشم” المأخوذ عن رواية يحيى حقي الشهيرة، وفيلم”قاهر الظلام”، وليس انتهاء بروايته الفذة”فساد الأمكنة” التي جاءت بعد روايته الأولى”حادثة النصف متر”، والتي بدورها تحولت إلى فيلم بنسختين، واحدة مصرية وأخرى سورية.

اللافت في الأمر هو أن صبري موسى حاز العديد من الجوائز والأوسمة المصرية بما فيها جائزة الدولة التقديرية إضافة إلى التشجيعية من قبل. ولكن هذه الأفلام والروايات والأوسمة والجوائز كلها، لم تكن كافية لعلاجه في المستشفى، حتى لو اصطحبها كلها معه.

أكتب هذا كله وبي غصة في القلب. فماذا تريد دولة عربية من كتابها أن يفعلوا أكثر مما يفعلون، لكي ترفع عنهم سلاح التهميش والإقصاء والاستخفاف؟ المحزن في الأمر هو أننا نعرف جيدا أن بعض أقرباء المتنفذين في عالمنا العربي ـ ناهيك عن الحكام وحاشياتهم ـ يذهبون إلى أوروبا وأمريكا، إلى أفضل المستشفيات في العالم، ويعالجون على أيدي أكبر الأطباء وأعظمهم شأنا وعلما، بينما يرفض مستشفى في دولة عربية علاج صبري موسى الذي قدم لبلده ولأمته فنا راقيا وعظيما تستطيع أن تباهي به الدنيا من دون حرج. لماذا؟ لماذا يكون على كاتب مثل صبري موسى أن يتسول مكرمة الجيش المصري، ويكون على كتاب آخرين أن يتسولوا مكرمات الملوك والرؤساء لكي يتم علاجهم، بينما يتمكن الأثرياء ـ يا للمفارقة ـ ناهبو البلاد والعباد، من اصطحاب مرافقين وعائلاتهم معهم للعلاج أو للنقاهة أو للاستجمام في أرقى مدن العالم ومستشفياته ونواديه وملاهيه الليلية الحمراء؟

الكاتب العربي لا يملك تأمينا صحيا ولا تقاعدا ولا ضمانات تقيه شيخوخته ومستقبل أبنائه، بينما يكون أفنى عمره في محاولة تقديم كل ما هو جميل وراقٍ ومميز من فكر ومفاهيم وجمال على المستويات كلها. ولا تتورع الدول العربية عن التباهي بهؤلاء الكتاب، لكنها سرعان ما تتخلى عنهم عند أقرب منعطف، حيث ينطبق هنا قول المسيح لتلاميذه” أحدكم سوف ينكرني ثلاثا قبل صياح الديك”! الفارق هو أن دولنا العربية تنكرنا قبل صياح الديك وبعده، وحتى من دون صياح ديكة على الإطلاق!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث