المفاضلة بين الديكتاتورية والإرهاب

المفاضلة بين الديكتاتورية والإرهاب
المصدر: تاج الدين عبد الحق

أضافت هجمات تنظيم دولة العراق والشام، المعروف باسم “داعش، على معاقل حركات المعارضة السورية، مزيدا من علامات الاستفهام حول دور الإسلام السياسي في عرقلة مسيرة الديمقراطية في العالم العربي وتشويه صورتها ومقاصدها .

وحتى لا يقال إننا نعفي النظام السوري من مسؤولية توفير المناخ الذي مهد لهذه الجماعة التغول على جماعات المعارضة الأخرى، وحَرَف المعارضة الوطنية عن أهدافها الأساسية، نقول إن الدور الذي قام به نظام الأسد في هذا المجال لم يأت من فراغ، وأنه لولا أن فكرة الاستئثار بالسلطة ورفض مشاركة الآخر هي مكون أصيل من مكونات فكر وتوجهات الحركات والأحزاب السياسية، لما كان لذلك النظام أن ينجح في جر هذا التنظيم إلى ذلك المنزلق والقيام بهذا الدور.

لكن الواضح أن اللعبة لم تنطل على الشارع السوري الذي أدرك بحسه العفوي أن التلطي وراء الشعارات الاسلامية لا يكفي وحده لامتصاص مخاوفه من أن تقوده جماعات الإسلام السياسي من جديد إلى مستنقع ديكتاتورية هي في حقيقتها وأساليبها أقسى من تلك التي يحاول الخروج منها والانعتاق من سطوتها .

والمظاهرات العفوية التي قوبل بها تنظيم داعش في المناطق التي سيطر عليها بعد قتال فصائل المعارضة السورية الأخرى، أظهرت أن محاولة تسويق فكرة المفاضلة بين ديكتاتورية النظام وفساده وإرهاب داعش وممارساتها، كانت محاولة فاشلة؛ فهي لم تحقق للنظام هدفه؛ لأنها لم تكن قادرة على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بحيث ينحاز المواطن السوري مجددا لجلاده السابق في مواجهة قاتله اللاحق.

تجربة داعش الدموية، وردة الفعل الشعبية عليها، ربما كانت الضارة النافعة؛ فهي أضافت مزيدا من الوعي بمخاطر توظيف الخطاب الديني في خدمة مصالح فئوية وحزبية ضيقة، وعززت المعرفة بمدى ارتباط تلك التجربة بسياق فكري قديم قائم على تكفير الآخر مع تبعات ما يعطيه التكفير من سلطات مفترضة لمن يصدر فرمانات التكفير، أويعطي صكوك التحليل.

وأكثر من ذلك، فإن تلك التجربة الدموية وضعت الإسلام السياسي في إطاره الأشمل حيث تبين، بالاستقراء والمقارنة، أن فكرة الإقصاء والاستفراد بالسلطة والاستحواذ عليها بكل طريقة ممكنة لا تقتصر على أولئك الذين يصنفون في قائمة المتطرفين والمتشددين بل إنها تمتد أيضا لقائمة من يوصفون عادة بالمعتدلين والوسطيين أيضا؛ فهؤلاء معتدلون طالما أنهم لا زالوا بعيدين عن سدة الحكم والسلطة، لكنهم سرعان ما يصبحون بشراسة أعتى المتشددين عندما يتاح لهم المجال وتحين أمامهم الفرصة.

ولنا بجماعة الاخوان المسلمين في مصر، خير مثال وأنصع دليل، كما أن لنا في القوى الإسلامية في ليبيا والقوى الإسلامية التونسية شواهد ودلائل؛ فهذه القوى التي كان يفترض أن تكون شريكة في عملية التغيير وانتقال السلطة من قبضة الفردية إلى فضاء التعددية صرفت وقتها، وكرست موارد الدولة، وجهد مؤسساتها من أجل تأمين سيطرتها على مقاليد السلطة، وفرض أجندتها السياسية والفكرية على كل مظاهر الحياة حتى تصبح السيطرة على الحكم سيطرة كاملة، وغير قابلة للقسمة أو المشاركة؛ ولذلك فإن انتفاضة يونيو في مصر والمظاهرات المناهضة للمليشات الإسلامية في ليبيا، ولحزب النهضة في تونس، تماثل في جوهرها مظاهرات السوريين في مواجهة داعش، وإن اختلفت في المظاهر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث