أردوغان والاقتصاد

أردوغان والاقتصاد

أحمد مصطفى

من مهارات رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان توظيفه للاقتصاد في السياسة بشكل يفوق كثيرا الإخوان المسلمين وطريقتهم العقيمة. بدأ ذلك منذ فاز برئاسة بلدية اسطنبول في نهاية القرن الماضي وقبل استيلائه على حزب الرفاه بزعامة نجم الدين أربكان، الذي تم حظره لغباء أربكان الإخواني، وصعوده في السياسة التركية بحزب العدالة والتنمية الذي كونه مع عبد الله غُل.

حين فاز أردوغان عام 1994 برئاسة بلدية اسطنبول، وكان مرشح حزب الرفاه لزعيمه أربكان، عزز موقعه عبر مشروع “رغيف البلدية”. فقد كانت هناك أزمة خبز في اسطنبول، ضمن أزمات أخرى، وكانت البلدية ترزح تحت الديون. وعبر إنتاج الخبز من مخابز تابعة للبلدية خفت حدة أزمة الخبز وكسبت البلدية، كذلك استفادت “أعمال” قريبة من أردوغان.

كانت خطوته التالية “جلود الأضاحي” التي فك احتكار جمعية محاربين قدامى لها. ولمن لا يعرف فكل الأتراك يذبحون الأضحية في عيد الأضحى، بغض النظر عن تدينهم، فهو طقس أقرب للعادة الاجتماعية منه للدينية. وفي ذلك الموسم هناك الملايين من جلود الأضاحي التي يستفاد منها ومن صوفها لصالح تلك الجمعية، فقرر أردوغان أن يكون التبرع مفتوحا لها ولغيرهاـ وكسبت جمعيات خيرية لمقربين منه.

بصعوده إلى قمة السلطة عام 2003، أشعل اردوغان نار الاقتصاد ليأخذ في الغليان وتصبح تركيا حالة اقتصادية مميزة يزيد متوسط الدخل السنوي لسكانها بأكثر من 50% في أكثر قليلا من عقد من الزمن. وتوسع أردوغان من مشروع الرغيف وتبرعات الأضاحي إلى “الوقف” وغيره وتقريبا كل أصول البلاد. وقويت شوكة المقربين منه حتى كادوا يسيطرون على كل الأعمال تقريبا.

احتاج اردوغان بالطبع لفتح قطاعات الاقتصاد للخارج، ووضع أحد رجاله على رأس البنك المركزي لضمان سياسة نقدية تعزز النمو السريع. لكنه في تلك الأثناء ـتجاوز طريقة أعمال الإخوان التي تعتمد السمسرة السريعة، مستفيدا من طرفين هما المنطقة (إيران والخليج ومصر وإسرائيل) وأوروبا وأمريكا.

تدفقت الأموال الساخنة والاستثمارات العقارية والخدمية من الطرفين، وفي تلك الأثناء تعززت قوة مجموعة من “رجال أردوغان” اصبحوا “أهله وعشيرته” في مجال المال والأعمال والسياسة والإعلام …

لم يكن النمو الاقتصادي السريع والقوي، وانتفاع دائرة واسعة من المصنعين والمصدرين ـ حتى من غير رجال أردوغان بلا ثمن، بل خسر كثيرون أعمالهم خاصة من أصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة، وتذمر كثيرون في المدن الكبرى من “خصخصة” كل شيء حتى طرق وجسور رئيسية تحتاج الآن لتدفع للمرور بها.

ومع التبعات الاقتصادية لفضيحة الفساد الحالية، تتعزز الأصوات المعارضة لسياسة أردوغان الاقتصادية ويفيق كثيرون على أن حلم الاستمرار في تحسن أوضاعهم يوشك أن يتبخر. صحيح أن انهيار سعر الليرة وزيادة التضخم، وربما الحاجة قريبا لتشديد السياسة النقدية لن يؤدي إلى انهيار اقتصادي في تركيا على غرار ما حدث في دول ما يسمى “الربيع العربي”، لكن الاقتصاد لم يعد عصا أردوغان السحرية.

وكما ارتفع بسرعة الصاروخ في السياسة التركية، وفاز في ثلاثة انتخابات متتالية، مدفوعا بوقود الاقتصاد قد يهوي الصاروخ أرضا بفقدان الوقود تدريجيا أيضا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث