فشلت المفاوضات…!

فشلت المفاوضات…!

عدلي صادق

لم نكن في انتظار توقعات المراقبين أو المعترضين، ولا كنا في انتظار الاعتراف الأمريكي البليغ، لكي نعلم يقيناً، بأن إدارة الرئيس أوباما ليست قادرة على أن تفعل شيئاً لإنقاذ مقاربات التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي من فشلها المحتم. وبالطبع، كان متوقعاً أن يعلن “كبير” المفاوضين الفلسطينيين (الذين لا نعلم من هم صغارهم) عن فشل عملية التفاوض التي بدأت على غير ذي أساس منطقي، يجعلنا نخصص في توقعاتنا نسبة مئوية ولو ضئيلة للتقدم على طريق النجاح!

على هذا الصعيد، نقدّر أن الضغوط وحدها، وليست أية حسابات متفائلة، هي التي ذهبت بالوفد الفلسطيني، إلى جولة المقاربات التفاوضية الجارية بشكل متقطع. وما قيل عن استقالة مبكرة، أعلن عنها المفاوضون من الجانب الفلسطيني دون أن ينفذوها؛ من شأنه أن يُغني، وحده، عن أي هجاء لهذه المقاربات!

جوهر الأمر، هنا، أن منطق الطرف الذي يرعى المسعى التفاوضي، وهو الولايات المتحدة، ليس مؤهلاً للتأثير إيجاباً لصالح أي مقتضى يتعلق بالعدالة وبالتسوية. فقد بدأ العام 2013 مع نجاح نتنياهو في ابتزاز الإدارة الأمريكية بورقتين: الملف النووي الإيراني، وخطر “الجهادية السلفية” المدججة بالسلاح وهي تقترب من إسرائيل. لذا كان موقف الانتظار والتفرج على ذبح الشعب السوري طبيعياً، مع الاستمرار في الإيحاء بأن أمريكا مع المعارضين المعتدلين، وضد النظام الحاكم والمعارضين المتطرفين، وذلك تبرئة للذات وخداعاً للضحايا، وإضعافاً للمتطرفين والمعتدلين السوريين معاً، وتعريضهم للمطاعن والمظان، بنسبتهم الى أمريكا “حليفة الصهيونية”!

لقد انكفأت الإدارة الأمريكية وانكشفت سوأتها، بسبب انشغالها برفع الحرج عن نفسها أمام إسرائيل، وفعلت كل شىء لتهدئة غضب نتنياهو من خلال إقناعه أن دواعي التدخل في أي نزاع، تقتصر على “تهديد أمن إسرائيل ومصالح الولايات المتحدة”. وفي الواقع أقرنت الإدارة الأمريكية “مصالح الولايات المتحدة” نظرياً وحسب، لأن المصالح التي كان يحرص عليها أوباما منذ بداية العام المنصرم؛ هي مصالح الإدارة والحزب الديموقراطي اللذين يخوضان معركة شرسة مع “الجمهوريين” في الكونغرس حول الإنفاق والسياسات الضريبية، ما اقتضى إرضاء اللوبي الصهيوني، وإظهار حماسة زائدة في الانحياز إلى إسرائيل. لذا بدا واضحاً منذ بداية السنة التي تلفظ الآن أنفاسها الأخيرة؛ أن الرئيس أوباما ليس مستعداً لزجر نتنياهو على أي تطرف أو ممارسة من شأنها إحباط المسعى التفاوضي!

وليس ما سُمع عن اختلاف أمريكي إسرائيلي حول سبل كبح جماح المشروع النووي الإيراني، إلا سجالاً داخل شركاء في غرفة إدارة الأزمة. كانت هناك رغبة أمريكية منذ بداية العام 2013 في اعتماد الديبلوماسية وسيلة وحيدة لضمان أمن إسرائيل، ملحقة به ـ لفظاً ـ المصالح الأمريكية. وفي الواقع امتصت الولايات المتحدة دون أن تنبس ببنت شفه، انتكاستها في أقطار آسيا الوسطى، ونجاح الروس في استعادة نفوذهم وطرد الأمريكيين وتفكيك قواعدهم العسكرية. وامتنعت إدارة أوباما عن القيام بأية تظاهرة عسكرية في الخليج، أثناء الأزمة مع إيران عندما هددت طهران بإغلاق مضيق هرمز، ليس حباً في إيران، ولا تساهلاً حيال عسكرة المشروع النووي، وإنما سعياً إلى تهيئة المناخات لصفقة تريدها لرفع مستوى فعالية القاسم المشترك الأمريكي ـ الإيراني في العراق، إلى سوية التأثير الضاغط أو الحاسم، على قوة “الجهاديين” في سوريا.

والمخططون الاستراتيجيون الأمريكيون يبررون للعرب أن هذا التوجه سيكون لمصلحتهم، حتى وإن اضطروا إلى تضمين الصفقة مع إيران، ملفات سوريا والبحرين وكازخستان. فـ “الجهادية السلفية” خطر على الأنظمة كافة، كما على الشعوب كافة، وهذا طبيعي لأن خطرها قائم على شراذمها هي نفسها، إذ ليس أسهل من أن تتذابح فيما بينها!

كان الرئيس أوباما، يشحذ أسلحته في معركته مع “الجمهوريين” متوخياً عون اللوبي الصهيوني. وفي تلك الأثناء، مرت معظم الخطابات الأسبوعية الإذاعية عن “حال الاتحاد” دون التطرق من قريب أو بعيد (في فقرة السياسة الخارجية) لعملية التسوية وانسداد الأفق بسبب الممارسات والمواقف الإسرائيلية!

للأسف لم يعد ثمة حقيقة في العالم العربي، تضطر الأمريكيين لمراعاة المصالح العربية عموماً، وللعمل بحماسة ـ على وجه الخصوص ـ من أجل التوصل الى تسوية متوازنة. لذا أصبح لزاماً علينا في هذه المرحلة العسيرة، الوقوف عند محددات القضية وثوابتها، وأن نركز على وضعنا الداخلي، وان نستجمع الإرادة الوطنية، وأن نعمل على اتساع دائرة المشاركة السياسية وإعادة الاعتبار للمؤسسات.

إن المتمسكين بالحق أقوياء مهما كان حال أوطانهم وحال أمتهم. لا شيء يُرجى من المفاوضات، ومثلما ينبغي الإقلاع عن منطق التقريع والتأثيم، يتوجب كذلك أن لا يدافع أيٌ من الفتحاويين عن مفاوضات سئم منها المشاركون فيها. وفي الحقيقة لسنا في انتظار توقعات المراقبين أو المعترضين، لكي نقتنع بأمر تدل عليه كل القرائن، وهو أن لا جدوى من مفاوضات مع حكومة المتطرفين، وأن لا شيء يُرجى من إدارة أوباما، التي سجلت الفشل تلو الآخر على صعيد السياسة الخارجية!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث