إستدارة المحارب

إستدارة المحارب

تاج الدين عبد الحق

منذ أن استراح المحارب، معلنا أن حرب اكتوبر( تشرين أول ) هي آخر الحروب، لم تعد جيوش هذا الزمان مكلفة بحماية الأوطان والذود عنها، كما جاء في أدبيات الثقافة الوطنية، والنصوص الشعرية وأصبحت في معظمها أجهزة دفاع عن الانظمة، وحماية لها، وتكريس لامتيازاتها، وضمان توريثها للابناء والاحفاد كلما كان ذلك ممكنا.

تحول الجهد الحقيقي، لمعظم هذه الجيوش إما لجهد إحتفالي تستعرض به تلك الانظمة هيبتها وصورتها كسلطة ، وإما إلى دور أمني داخلي رديف، أو أصيل وبديل، عن الدور المفترض أن تقوم به قوى الأمن الداخلي وأجهزة الشرطة .

وفيما كنا ننتظر أن تؤدي استراحة المحارب، إلى تقليص كلف الحرب، وتحويلها، إلى مشاريع تنمية، وجدنا أن ما يرصد لهذه الجيوش من مخصصات، وما يقتطع لها، من موازنات يتضخم باستمرار. فظلت الجيوش تستأثر بالحصة الأكبر من الموارد والامتيازات، رغم اختلاف الأدوار وتبدل المهام.

وعلى خلاف ما كان منتظرا، فإن حصيلة التوسع في امتيازات الجيوش ومهماتها، كانت سالبه بامتياز، ففشلت في حماية الأمن الداخلي، وتكبدت من الخسائر، في الداخل، أضعاف ما تكبدته من خسائر وهزائم، في كل حروبها مع الخارج.

والشواهد على ذلك، اكثر من أن تحصى، وهي ممتدة، من العراق الذي لا زال ينزف الآفا مؤلفة من الضحايا واللاجئين والمهجرين منذ ما يزيد عن عقدين ، إلى الجزائر التي خسرت في حربها مع الارهاب أعدادا فاقت كل ما خسرته في حرب التحرير.

وبين هذه وتلك، فإن رقعة الحروب العبثية الداخلية، التي تورطت بها جيوشنا، ظلت تتسع باستمرار حاصدة عشرات الآف من الضحايا، ومخلفة دمارا وخرابا، يتواضع أمامه، كل ما ورثناه من دمار وخراب في كل ما مضى من حروب.

وبتغير الأهداف، تغيرت الاساليب، وتباينت الأدوار أيضا . فالجيش الواحد، أصبح جيوشا، بعد أن توزع إلى تصنيفات، ووضعت لوحداته العسكرية وألويته وأقسامه هيكلية خاصة، ومراتب متعددة، وإمتيازات تختلف عن بقية وحدات الجيش الأخرى.

وبدأنا نسمع بدون خجل، ولا وجل، ما يعرف بقوات النخبة، وهي في معظمها ألوية حراسة للانظمة، تتلقى في العادة تدريبا خاصا، وتوفر لها تجهيزات ومعدات متطورة، وأمتيازات مادية إضافية، لا تتوفر لغيرها من فرق وألوية الجيش الأخرى. وبحكم إرتباطها العضوي بالانظمة، وبحكم إرتباط وجودها بوجود النظام نفسه، فإن هذه القوات، كانت تعطى صلاحيات أكبر من تصنيفات الجيش الأخرى.

وأكثر من ذلك فإن ولاء “قوات النخبة”، لايعني فقط الولاء للنظام السياسي، بل الولاء لرأس النظام بالذات، وهو ما يعني بالتبعية تغليب المعايير الطائفية، والقبلية والحزبية، في إختيار من ينضم لهذه القوات، وبالتالي جعل هذه الوحدات العسكرية أقرب للميليشيا الطائفية أو الحزبية، وغدت فئة متميزة، لا في دورها فحسب، بل في امتيازاتها أيضا ، وبالتالي فتح المجال أمامها للتغول على فئات الجيش الأخرى، وأعطيت فرصة لشرعنة أي تجاوزات تقوم بها على حرمات الناس وحقوقهم الاساسية.

وبغض النظر عن المبررات والاسباب التي جعلت بعض الجيوش العربية تنزلق إلى القيام بهذا الدور، فإن المؤكد أنه لم يسهم في زيادة مساحة العنف في حياتنا العربية فحسب ، بل ساهم أيضا في تجفيف الحياة السياسية، ومنع نموها نموا طبيعيا.

فطوال حقبة الاربعينات والخمسينات حين كانت الحياة السياسية نشطة، ووسائل التعبير متاحة، لم نكن نسمع عن هذا الكم من العنف وهذا الكم من القتل، إلا بعد أن بدأت الجيوش تغرق في المستنقع الداخلي، لتصبح مع تفاقم الأخطاء، وتواترها خصما، لكل القوى السياسية اليسارية منها والمحافظة، وذلك بعد أن رأت هذه القوى، أن دور الجيوش يقلص مساحات الحرية السياسية المتاحة أمامها، وبالتالي يضطرها للعمل السري، بكل ما يخلفه ذلك، من كوارث وما ينتج عنه من تبعات.

استراحة المحارب التي كانت تعبيرا عن الانفراج والسلام، ، باتت مع الإستدارة عن حرب الاعداء، كلمة السر التي نؤرخ فيها لتاريخ حروبنا الجديدة، التي لا نعرف متى نستريح منها، و نبرأ من جراحها .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث