هل يتعظ “سلفا كير”؟!

هل يتعظ “سلفا كير”؟!

عدلي صادق

فعلى الرغم من كون الرجلين، الرئيس ونائبه، قد أفرطا في مديح إسرائيل، وفي الإعراب عن ودادهم لها دون تحفظ على أي أمر، إلا أن اختلاف الطبائع والمؤهلات والمستوى الثقافي، بين الرجلين، جعل الكفة تميل لصالح “رياك مشار” ابن “النوير” وهي القبيلة النيلية الأصغر، لكنها الأمضى سيفاً من “الدينكا” التي ينتمي إليها الرئيس “سلفا كير”. فالرئيس “كيـر” في تجربته، ظل طويلاً حبيس قفصين، هما التطبع بتقاليد الجيش السوداني والخطوط العامة لفرضيات ماركسية مبسّطة، اشتغل بها وعليها جون غارنغ، لكي يضرب عرب الخرطوم بالعرب “التقدميين”. ولم يخرج “سلفا كير” من القفصين، إلا لمعارك الجنوب مع الشمال. فلم يكن لديه متسع للاستحواذ على أبسط متطلبات الزعامة السياسية، وهي الثقافة وأن يتعلم اللغة الإنجليزية أو أية لغة، سوى رطانة قبيلته النيلية مع عربية مكسرة. أما غريمه “رياك مشار” وهو مقطّع وموصول، كان قد أرهق المعلم جون غارنغ نفسه، وخاصمه وخاصم جبهته، وصالحهما، وخرج وعاد، ورفض وارتضى وتقلب بين المواقف، فهو من طينة أخرى ولم يكن منضبطاً لشيء، ولا حبيس قفص أو موقف. هو مهندس أولاً، وحائز تالياً، على الدكتوراة في التخطيط الاستراتيجي من إحدى أعرق الجامعات البريطانية (برادفورد). لكن الأهم، أنه ومنذ أن تفتحت عيناه على التدخل الإسرائيلي بقوة في جنوب السودان، في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، عرف الفتى معسكره وأضمر وجهته. فهو ينتمي إلى كنيسة انشقت مبكراً عن كنائس الشمال المتأثرة بالكنيسة القبطية المصرية. ومنذ بدء نشاطه كطالب جنوبي في جامعة الخرطوم، كان واضحاً أنه أفلت من شفرات “الشلوخ” التي تجرح الخدين، لكي ترسم رمزاً للقبيلة لا يُمحى. ولكي لا نُطيل في حديث عن مفارقات هذا الرجل، نقول إنه هيأ نفسه لكي يتسلم الدولة الجديدة، الغنية بالبترول، من خلال تكرار الحديث عن استخفافه وتعاليه، على منطق التمايزات والتباغض بين القبائل، وبإظهار منطق الانفتاح الواعي على أمريكا وإسرائيل، لا منطق الطاعة الغريزية التي أظهرها في التاريخ معتوهون أطاح بهم المستعمرون أنفسهم، لتدني مستواهم ولغرقهم في مباذل استحثت نقمة شعوبهم. ففي وجود “سلفا كير” الذي لا يجيد الحوار ولا يطيقه ولا يفهمه، كان لـ “رياك مشار” أن يقول للأمريكيين ما يشاء وأن يوحي بما يرغب. وقد أدرك الأمريكيون، والإسرائيليون حكماً، أن ما يفيدهم هو ذلك الطائع عن وعي، لا الصاغر بعاطفة الحرب بعد تجربته مع شمال السودان!

فضلاً عن ذلك، فإن “رياك مشار” هو البعل الوفي للسيدة الحاذقة “أنجيلينا تيني” أشهر ناشطة سياسية في جنوب السودان، البريطانية النشأة والطليقة باللغتين العربية والإنجليزية، ووزيرة الدولة للطاقة والتعدين، في حكومة التوافق السوداني قبل نحو عشر سنوات. ومع تأسيس دولة الجنوب، انشقت “أنجيلينا” عن حزبها وخاضت معركة انتخابية، للفوز بمنصب حاكم ولاية “الوحدة” في غربي أعالي النيل، وهي الأغنى بالنفط. لكن جماعة “غارنغ” أحبطوها واسقطوها بالتزوير، بعد أن تقدمت بأكثر من ثلث المليون صوت.

الإسرائيليون من منظورهم، لم يرغبوا في التخلص سريعاً من صديق جاهل. فضلوا أن يمنحوه وقتاً لإسعاد قبيلته ولنيل مكافأته من سنوات الحكم، واستغلال الوقت في التأسيس لعلاقات راسخة مع شعب جنوب السودان، من خلال مشروعات مدنية، تتكفل بها الصناعات العسكرية وتدخل على خط حياة الناس: بنية تحتية لتقنيات المياه تشتمل على التنقية والتحلية وشبكات الإمداد وخطوط الري، ثم إرسال رجال أعمال لبناء قرية زراعية نموذجية، يتعلم فيها الفلاحون السودانيون الجنوبيون أساليب الزراعة الحديثة، ويستخدمون وسائل الري بالتنقيط!

في كانون الثاني (يناير) الماضي، أعلنت “جوبا” و”تل أبيب” أن شركات البترول الإسرائيلية وقعت بالأحرف الأولى، على عدة عقود مع حكومة جنوب السودان. عندئذٍ، بدا أن التنفيذ، يتطلب وجود الصديق المرن والمتعلم، الذي سمّته قبيلته “الفتى الراشد”، إذ لن يفيد الصديق الخارج من قفص الجيش السوداني، ومن جلاميد الاستخدام الخشبي، للمقولات الماركسية سهلة الحفظ. انقص “رياك مشار” ابن القبيلة الأصغر الذي بلا دراية عسكرية، على الجنرال ابن القبيلة الكبرى. ولا أظنه كان سيفعل، لو لم يستأنس بالدعم الأمريكي والإسرائيلي، هو وزوجته “أنجيلينا” التي أسقطوها ثم أرضوها وسموّها مستشارة للحكومة، في شؤون البترول. ولكن السؤال: هل يتعظ “سلفا كير” وقد أدخله الغادرون، إلى محنة ربما لن يخرج منها إلا إلى قفصه الأخير؟!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث