أبشر… ووداعا للميري

قامت بعض دول الخليج بمبادرات عديدة لمساعدة مواطنيها في إيجاد أعمال تتناسب مع مؤهلاتهم، وتلبي إحتياجاتهم، لكن تلك المبادرات لم تغير ثقافة التمسك بالعمل الحكومي، وإعتبار أي عمل آخر هو مرحلة إنتقالية

أبشر… ووداعا للميري

 

تاج الدين عبدالحق

لايزال الغرام بكل ما هو رسمي ، يطبع سلوكنا بالرغم من دعاوى الخصصة ،  أو الخوصصة ، التي فهمها الهوامير في بعض الدول العربية على أنها  تخصيص  لهم بإعتبارهم أولى بالمعروف ، وأنهم أحق بالشفعة ،  فتدافعوا لهبش وتخصيص  كل ما تطاله يدهم من أملاك ومؤسسات الدولة ، بدءا من المصانع والمعامل ومرورا بالاراضي الأميرية وإنتهاء بمرافق الخدمات .

ولهذا فإن هذا  التطور في الحياة الاقتصادية لم يغير في العمق النظرة إلى العمل الرسمي فظل غاية المنى لا للباحثين عن الإستقرار والأمان فحسب ، بل ( للهبيشة ) أيضا ،  الذين وجدوا أن اقصر الطرق لتضخيم  المال الخاص ، هو العمل العام ، حيث   المال مال  سايب، و  حق حلال ، وماء زلال ،  لمن يصل إليه أولا ولو عن طريق الحيلة واستغلال النفوذ ، وما كنا نعتبره نهاية للثقافة  التي  تحض كل من  فاته الميري، على التمرغ  بترابه ، بدا وكأنه تجديد لتلك الثقافة،  وتكريس  لدعاوى الحرص على  الوظيفة الحكومية والتمسك بها حتى لو كانت أقل مردودا ، واصعب منالا .

نسوق هذا الكلام ،  بمناسبة ازمة التوظيف  – حتى لا نقول البطالة – التي  تعاني منها دول الخليج والتي يفترض ألا يكون فيها مثل هذه الازمة مطلقا ، فهي دول تستضيف عمالة أجنبية تعادل في بعض الأحيان  أضعاف عدد سكانها،  وهي تمتلك ثروات  وأموال تنوء بحملها،  وتتحير باستثمارها،  رغم أن بعضها – وهذه ثالثة الأثافي – تعاني من مشكلات عميقة في بنية الخدمات الأساسية للدرجة التي صنفت بعض مدنها وقراها  ضمن أكثر المجتمعات فقرا وتخلفا . 

لقد قامت بعض دول الخليج بمبادرات عديدة لمساعدة مواطنيها في إيجاد أعمال تتناسب مع مؤهلاتهم،  وتلبي إحتياجاتهم، لكن تلك المبادرات لم تغير ثقافة التمسك بالعمل الحكومي،  وإعتبار أي عمل آخر هو مرحلة إنتقالية ، أو محطة إنتظار للوظيفة الحكومية . وحتى لانحمل الأفراد المسؤولية عن هذه الثقافة ، لابد من الاعتراف أن الحكومات والمصالح الرسمية نفسها  هي المسؤولة عن هذا الواقع . فخلافا للهوة المباشرة  بين رواتب وعلاوات وبدلات وإجازات وفترات دوام  العاملين في الأجهزة الحكومية مقارنة بما هو عليه الحال في القطاع الخاص ، فإن هذه الهوة تزداد عمقا إذا وضعت المزايا  غير المباشرة للوظيفة الحكومية في الاعتبار . فالدوام يكاد في بعض المؤسسات الحكومية أقرب لقطع وقت الفراغ  منه للعمل ، بل إن الكثير من الموظفين يستعينون على قطع هذا الوقت وشغله بأمورتافهة والتسلية بالاحاديث الجانبية والمناقشات التي  ليس لها علاقة بالعمل .  وهم في غالب الاحيان يتركون وقت دوامهم لقضاء مصالح لهم خارج المؤسسات التي يعملون بها . وتتفاقم هذه الهوة إذا إضيفت لها بعض المزايا المعنوية التي جعلت من موظفي القطاع العام سلطة تمنع وتمنح ، حين يتعاملون  مع الجمهور، وهو أمر يغري الناس خاصة  في بعض المجتمعات الخليجية التي  تنحدر فيها مستويات المشاركة في القرار،  لتنحصر فيما توفره لهم الوظيفة الحكومبة من صلاحيات ومهام  .

في ضوء ذلك كله  فإن المشكلة في قطاع العمل الخليجي لا تكمن في كيفية إيجاد وظائف  وأعمال للخريجين ، بل في تصحيح الاختلال في ثقافة العمل نفسها  والعمل على تعديل مساراته ،  وهو أمر لايمكن ان يتم بمعسول الكلام أو تدبيج المقالات ، بل لا بد أن يأخذ شكلا عمليا  وعلميا ، كالنهج الذي إتخذته وزارة شؤون الرئاسة بدولة الامارات العربية المتحدة  عندما أطلقت برنامج شراكة  طموح مع القطاع الخاص  أطلقت عليه برنامج (أبشر ) يتضمن حوافز ومزايا تجعل العمل في هذا القطاع عملا جذابا يتدافع إليه كل الباحثين عن عمل حقيقي ومهنة مستدامة

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث