معذرة يا بو عزيزي..!

معذرة يا بو عزيزي..!

نظير مجلي

في الذكرى السنوية الثالثة لانتحار محمد بو عزيزي (أحرق نفسه في 17 كانون الأول/ديسمبر 2011 وتوفي بعد 18 يوما)، يستحق منا – نحن الأحياء العرب على حياء – الاعتذار.

الاعتذار ليس لأن ثورة “الربيع العربي” التي أشعلها، لم تنجح أو لم تعد ثورة. وليس لأن الربيع الذي جلبه لم يعد ربيعا. فهو عندما أقدم على فعلته لم يكن يخطط أن تكون ثورة أو ربيعا. ولم يعرف أن حريق جسده سيتحول إلى شرارة تشعل النار في دول عربية عديدة وتسقط النظام في أربع دول دفعة واحدة.

فقط قبل أسبوع، أصدر مفتي الديار المصرية، الدكتور شوقي علام، فتوى أكد فيها أن الإسلام يحرّم قتل النفس بغير حق، وما من حق في أي انتحار. ومع ذلك، جعلناك بطل الأمة العربية كلها. فالمعذرة يا بوعزيزي، لقد حملناك مسؤولية عن مصير أمة واعتبرناك شهيدا لثورتها، وأنت لست في وارد الثورة ولا المصير. كل ما حصل لك أنك أصبت بقمة الاحباط من ظلم النظام وقمة اليأس من مواجهته بطرق كفاحية لا قتل فيها ولا انتحار. لم تفكر كثيرا، ولم تحسب حسابا لحزن أهلك وأحبائك عليك. عواطفك الشرقية الفياضة، مشاعرك وتمسكك بالكرامة والعزة الطافحة، أبت عليك أن تحتمل صفعة شرطية أنثى، امرأة. فاسودت الدنيا في عينيك. وأكل الخجل وجهك. فنسيت أحكام دينك. وارتكبت ذنب الانتحار.

ومع ذلك نحترمك ونقدر تضحيتك ونزعل عليك ونعتذر.

المعذرة أننا من دون تفكير عميق، خرجنا إلى الشوارع في أرجاء مختلفة من عالمنا العربي. تركنا العيال والأشغال وأفضل الخصال، وضربنا الزعامات بالنعال، وسلمنا رسن القيادة لأبشع الرجال، وفعلنا كل ذلك وكأننا معك ولك ولأجل قضيتك.

رفعنا شعار “الشعب يريد اسقاط النظام”، ولم نسأل نسقط هذا النظام، ولكن لصالح أي نظام؟

كسرنا حاجز الخوف من زعامات الاستبداد والرعب، لكننا اخترنا من يزرع أفظع صنوف الخوف. ننشد الدمقراطية ونمارس الديمقراطية فتنجب أعتى أعداء الديمقراطية. نشغف الحرية، ونطلق تسونامي الحرية، فيولد لدينا هوريكان فوضى دموية. نكره الفساد ونحارب الفساد فينتج لدينا نظام يؤلّه الفساد. وبعد 65 سنة من تحول الفلسطينيين إلى لاجئين، يصبح لدينا لاجئون سوريون وعراقيون وليبيون ويمنيون وموجة جديدة لأجيال جديدة من اللاجئين الفلسطينيين.

المعذرة يا بوعزيزي، أكثر من ألف يوم مضت على اشتعال النيران في جسدك الفقير، فكان كل يوم منها حريقا مدمرا للناس وللأوطان. تونس التهبت من بعدك، وليبيا احترقت على دربك. وسوريا تمزقت من وحيك. واليمن ينهار على رسلك. ومصر تغرق في بحرك. والعراق يصير “عراقات”. والسودان يغدو “سودانات”. وفلسطين، حتى فلسطين المنكوبة، تتمزق وتتفتق والحرب فيها “قايمة قاعدة” على دولة لم تولد بعد.

المعذرة يا عزيزي بوعزيزي. نحن نعيش ما بين حضورك وغيابك. ما بين صفعتك وانتحارك. ما بين دمعتك وحريقك. فلا تؤاخذنا، نحن لم نفهم رسالتك. ولا يبدو أننا نريد ان نفهم رسالتك. فعلك حرام ورد فعلنا حرام. فمن حيث في الأعالي تنام، أرسل لنا من يعرف كيف يدار حقا النضال وكيف يُفصل في المقال. وإن بقيت لديك حفنة من كبريت وزيت، فهاتها، لنحرق بها زيف الشعارات وألاعيب السياسات وخداع القيادات وتشويه الديانات وانتهاك الحرمات.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث