حوار الطرشان

حوار الطرشان

تاج الدين عبد الحق

لم تعد عقدة جنيف2 ، هي بقاء الأسد أو ذهابه. فلا روسيا متمسكة بوجوده ، حتى ولو قالت العكس ، ولا الأمريكان يشترطون ذهابه، حتى لو أظهروا خلاف ذلك. هذا التحول قبل المؤتمر العتيد، ليس التطور الوحيد في مواقف الأطراف الفاعلة في الأزمة، ولا في المعادلات التي تحكم الميدان.

أبرز ما يمكن التقاطه من تلك التطورات ، أن الكل يحاور الكل، دون أن يعني بالضرورة أن هناك اختلافا في المواقف أو تبدلا في التحالفات . كما أن أعداد المنخرطين في المشاورات الجارية للتمهيد له يتزايد باستمرار، كما لو أن الأمر، وصفة مقصودة لخلط الأوراق، وتمييع المواقف، وإطالة أمد الأزمة .

فالولايات المتحدة، التي كانت إلى وقت قريب تتحفظ على وجود الجماعات الاسلامية ضمن صفوف المعارضة السورية، باتت اليوم تستجدي الحوار مع هذه الجماعات، وكأنها تدرك عجز ومأزق الائتلاف الوطني السوري، الذي تمزقه الخلافات الداخلية حينا ، وتعصف به العصبيات الإثنية والسياسية حينا آخر، لتتركه موزعا بين ولاءات دولية، وإقليمية مختلفة لا في التوجهات والايدولوجيات فقط ، بل في أسلوب التعاطي مع الأزمة السورية نفسها أيضا .

وواشنطن وهي تعرض الحوارعلى الاسلاميين، تدرك أنه سيكون حوار طرشان، وأنه لن يصل إلى أي نتيجه ، بل إنه قد يسهم إن تم، في مزيد من الشرذمة في صفوف المعارضة . ويبدو أن عرض واشنطن في ضوء المعطيات المتوفرة ، وتاريخ العلاقة المتوترة ، ليس جديا، بل هو نوع من إبراء الذمة، أو استجابة لطلبات عرابي المعارضة الاسلامية السورية، من الحلفاء الاقليميين ، الذين وجدوا في الانفتاح الأمريكي على إيران خذلانا لهم ، وتنكرا لأولوياتهم .

روسيا من جانبها ، تحاور معارضي بشار الأسد، وتستقبلهم ، وتبعث لهم برسائل، وتطمينات ، لإنها تدرك أن الأسد، هو عبء أكثر منه سندا ، وأنه بات ورقة محروقة حتى لو حقق إنجازا عسكريا على الأرض . فلملمة الجراح وإعادة الاعمار والحوار مع المجتمع الدولي، ومع الإقليم تتطلب مواصفات لم تعد متوفرة فيه ، لا كشخص، ولا كنهج . وهي عندما تحاور معارضيه تعلم أنها لا تملك، في هذه المرحلة ، ما يرضيهم ، أو يستجيب لتطلعاتهم ، لكنها تعلم أيضا أن المعارضة لم تعد تملك القدرة على فرض الشروط وأنها باتت مستعدة للسير خطوات نحو منتصف الطريق . وحتى هذه اللحظة فإن موسكو ليست مستعدة لتشجيع سيرهم نحو الوسط، عن طريق المبادرة إلى تقديم رأس حليفها على مذبح التسوية، لكنها تبعث إشارات على الإستعداد لذلك ، في المرحلة التي تراها مناسبة ، وفي الوقت الذي تتأكد فيه أن الاطراف كلها ، السورية منها، وغير السورية، مستعدة لقبول صيغة تحفظ لها مصالحها، وتؤمن لها حصتها من غنائم الأزمة، أو تحميها من دفع مغارمها . ولذلك فإن تصريحات نائب وزير الخارجية الروسي التي إنتقد فيها نوايا الأسد ترشيح نفسه لولاية جديدة ، كانت رسالة موجهة للمعارضة السورية أكثر مما كانت موجهه للنظام السوري .ومفاد هذه الرسالة أن التحالف مع الأسد ليس دائما ودعمه إلى الأبد لن يستمر .

تحاور واشنطن مع الاسلاميين ، وتحاور روسيا مع الائتلاف الوطني ، لا يعكس ضبابية المشهد السوري فحسب ، بل يعني أن الوصول إلى نتائج حاسمة للأزمة، بات أمراً صعب المنال . وأن الأزمة لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات ، وأن مداها قد يطول إلى ما هو أبعد من جنيف إن إنعقد ، وإلى أوسع من سوريا إن زاد عدد المنخرطين في طبخ الحلول التي قد تجيء فاسدة بسبب كثرة الطباخين .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث