القدس ومستشيخون فاسدون

القدس ومستشيخون فاسدون
المصدر: عدلي صادق

كنت أحسبه زلزالاً، ذاك الذي أحدث تشققات ظاهرة، في قبة الصخرة، وفي سائر أبنية وجدران الأقصى، غداة اجتياح الأفعى البريطانية لبلادنا، واحتلالها زهرة المدائن، في كانون الأول (ديسمبر) 1917. لكنني تحققت من الأمر، وعرفت أن التشققات حدثت بسبب عوامل طبيعية، وبمفاعيل الزمن الممتد، وكان ذلك من خلال مطالعة لبعض أوراق إرشيف وزارة المستعمرات البريطانية، في زيارتي الأخيرة الى لندن، شتاء العام الماضي!

الشيخ كامل طاهر الحسيني، مفتي القدس (1908 ـ 1921) هو الشقيق الأكبر للحاج أمين، وقد كان مارقاً بامتياز، ولا وطنياً، على العكس من شقيقه القائد الوطني فيما بعد. سمّاه السلطان عبد الحميد، مفتياً للقدس. وعلى الرغم من ذلك خانه مع الخائنين، وكان أحد أسباب خلعه، بالتواطؤ مع القوميين الأتراك من أصدقاء يهود الدونمة. ثم خان كامل، الأولين بالتواطؤ مع الأخيرين، وانحاز لسلطة الانتداب البريطاني. فقد أفشى كامل سر وفحوى رسائل السلطان عبد الحميد السرية، الى زعماء بلادنا فلسطين، تنبيهاً لهم وتحذيراً من المخطط الصهيوني ـ البريطاني اللئيم.

ومثلما تكون لكل عميل حَظوة مؤقتة، يتبختر في ظلالها كأن الغلبة انعقدت له على كل أخيار القوم، فقد أحس كامل أنه معلم صموئيل ومرشده. فبخصوص التشققات، عرض الشيخ كامل على صموئيل مقترحاً بأن تبدأ عملية استنهاض الهمم، لترميم الأقصى وجمع التبرعات لتغطية الأكلاف. فكامل يريد الظهور كصاحب فضل، وفي الوقت نفسه إظهار بريطانيا، أمام مسلمي مستعمراتها، من خلال “أريحية” صموئيل؛ كأنها الرقيقة التي تحترم مشاعر خلق الله وأديانهم!

يُستَشَفُ من المراسلات البريطانية، أن الشيخ كامل، صاغ بياناً أو نداءً للمسليمن من أجل الإصلاح والترميم، وقد أُعجب الإنجليز بالصياغة المعتدلة، المغلفة بنسيج من الألفاظ العاطفية الموحية كذباً، بالألم والغيرة والاستقامة، بل المعبرة تمثيلاً، عن مشاعر العذاب على أحوال المسلمين، مثلما يفعل متعهدو المنابر من الفاسدين المتسربلين بالحرير وبأكلاف حياة باهظة. وطلب “مدير أوقاف القدس” هاري لوك، إعادة نشر النداء، فكتب يطلب تعميمه على شعوب العالم الإسلامي، ومعهم المسلمون في الصين (مع إشارة منه الى أن المسلمين الصينيين ـ أيامها ـ بلغوا ثلاثة عشر مليوناً.

استدعى صموئيل، عالم أثار انجليزياً، يُدعى آرنست ريتشموند، والمهندس الأرمني السوري “أوهانسيان”، لغرض المعاينة وإعادة بناء المواضع والمربعات التي تكسرت من جدران المسجد الأقصى، ما أفقدها رونقها. وبدأ تخمين الكُلفة، التي بلغت مئة وخمسين ألف جنيهاً استرلينياً!

ربما لم يكن من قبيل المصادفة، أن مباحثات الشيخ كامل، مع الإدارة البريطانية في شأن تلك التشققات؛ جرت في اليوم نفسه، الذي صدر فيه وعد بلفور (2/11/1917). وقبل أن تحل الذكرى الأولى لصدور ذلك الوعد الاستعماري الوقح؛ كان الشيخ كامل، في تموز (يوليو) 1918 يرحب بآرثر بلفور نفسه، جنباً الى جنب مع حاييم وايزمان، في حفل وضع حجر الأساس لبناء الجامعة العبرية، على أراضٍ منتزعة من أصحابها في جبل المشارف (أو جبل المشهد) تنفيذاً لتوصية المؤتمر الصهيوني الأول في العام 1897.

كامل، شيخ الانتداب وفقيه حجر الأساس العبري، ورمز الترف الدنيوي ورغد العيش الحرام في تلك الأثناء؛ عاش سنواته الأخيرة بمشاعر وقحة، انعكست في مظهر البهجة والاقتدار، من النوع الذي يغمر فقهاء فاسدين، أعمى طمع الدنيا بصائرهم، وعملوا في أروقة السلاطين، لكنهم باتوا يحسبون كل صيحة عليهم. لذا بدا من الطبيعي، أن يتوهم الشيخ كامل، أنه أمسك بالمجد من كل أطرافه، ثم امتطاه، عندما أهداه حاييم وايزمان نسخة من القرآن الكريم، ممهورة بتوقيعه العبري. ربما هو حاول إيهام بسطاء القدس من حول الأقصى؛ أن وايزمان بات قاب قوسين أو أدنى من إشهار الإسلام على يديه. وربما يفعل ذلك ملك بريطانيا جورج الخامس، وإلا لماذا أهداه “وسام القديسيْن ميخائيل وجرجس”؟!

مات الشيخ كامل، في ربيع العام 1921 قبل أن يحقق اثنتين من أمنياته: ترميم الأقصى باعتباره إنجازاً مشتركاً له ولصموئيل، وأن تقوم الجامعة العبرية، التي وُضع حجر الأساس لمشروع بنائها، بحضوره وبدعائه بالتوفيق من الله المستعان، وقد تلقى في المناسبة، “الهدية” من وايزمان.

صعد الحاج أمين الى سدة الفتوى والى موقع المسوؤلية عن الأوقاف. كان وطنياً وإن لم يكن فقيهاً أو شديد الورع، فيما هو يرث موقع أخيه غير الفقيه. دراسته التي اختارها في مصر ثم انقطعت؛ كانت في الآداب لا في الشريعة. كان ترميم تشققات الأقصى، باكورة أعماله، وفي سياقها هناك قصة مع زعماء مسلمي الهند الأطهار الورعين، تخللتها أعطيات الكرماء، وتدابير نزاهة وأمانة، تُعد مثالاً في العمل العام!

بدأ الحاج أمين، لعبة القط والفأر مع هربرت صموئيل، وفيها شىء من المسايرة والخداع، لأخذ بعض المُراد من سلطة غاشمة، وصولاً الى خاتمة صاخبة ومثيرة، أوصلت المفتي الى بلاط الفوهرر.

لقد مر على فلسطين، شيوخ ومستشيخون، منهم ذو التقوى الحقيقية، الزاهد العابد، ومنهم النصاب والفاسد الرقيع. وأمثال هذين الصنفين، ما زالوا يظهرون الى يومنا هذا. يُعرف التقي الزاهد الأميبن، في يوم واحد، أما الرقيع الفاسد الكذوب الواهم بقربه من السلطان، فإنه يُعرف من جملة واحدة. وبإذن الله، ستكون هذه السطور، ضمن كتاب عن شيوخ ومستشيخي هذين الصنفيْن، وما أحاط بتجاربهم من مفارقات ومناقب، أو من تبعيرات ومفاسد. ما يُطئمننا، هو أن أقدار فلسطيننا النبيلة، كانت منحتها قاضياً، هو الأول في تاريخها الإسلامي؛ من النوع التقي البديع الأمين نظيف اليد. إنه عُبادة بن الصامت، المقاوم الإسلامي الأول للبذخ الفاسد في بداياته السفيانية. لذا فإن فلسطين، مصونة موعودة بالأخيار، على الرغم من مرور هذه الأشكال والتشققات في تاريخها!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث