الكافر مانديلا

الكافر مانديلا
المصدر: جمال القيسي

رحل مانديلا.وألقى على وجهه نظرة الوداع أكثر من 100 ألف محب. لروحه الرحمة وهي تحلق في السموات بعدما زهدت في متاع الدنيا، ونضَتْ عنها لبوس الزخرف الزائف فلم تلتفت إلى ما يطمع به غالبية البشر. والحقيقة أن الاسترسال في ذكر مناقب الراحل يدخل في باب لزوم مالا يلزم.. فماذا يمكن أن نضيف وراء اسم طود مثله، وما القيمة الحقيقية لما يمكن أن نضيفه عنه إلا تكبدنا عناء تفسير الماء إذا كنا منحازين للحقيقة التي لا تقبل تقاسم ضوء الشمس على تفسيرين.

لكن للتطرف دائما قول آخر..وفي الوقت نفسه الذي كان يبكي فيه ملايين البشر الرجل الحقيقي ظهر “داعية” من السعودية يفتي بحرمة الترحم على مانديلا لأنه كافر!

لم يرف للمفتي جفن ولم يستمهل نفسه قليلا؛ فأصدر قراره وتصنيفه في المناضل والمقاتل ومثال الزهد وقدوة النزاهة، وفورا ألقى به في النار. من الطبيعي أنه إذا كان كافرا فإن مصيره إلى النار وبئس المصير وساءت مرتفقا.

لقد وكّل الداعية الفهيم بحر العلوم أمر الايمان والكفر لنفسه، وليس من معقب على هذا التوكيل لنفسه، والأدهى أنه الموكل والوكيل والمتصرف بما لا يقبل النقض، منح نفسه الحقوق كلها فأصدر شهادة كفر بحق مانديلا، وتابعَ حُسْنَ تطبيق الرأي والشهادة بتحذير البشر من الدعاء لكافر أو الترحم عليه، ولم يراع العلاّمة التناقض الذي يتبدى جليا في التصنيف والطلب، فماذا ينفع الدعاء مانديلا إذا كان كافرا، لماذا لم يترك المفتي الأمر للناس بإعلامهم أنه كافر وكفى، وبعد ذلك لن ينفعه الدعاء ولو دعا له المشرق والمغرب في آن معا.

لكن الملاحظ أن الداعية ألحف في مهمته حد محاصرة القلوب والعقول. فلن تفلت من يديه ولا من خلفه عاطفة من هنا أو قدحة فكرة من هناك؛ فسبَكَ الفتوى على نقطتين الأولى أن الرجل كافر، والثانية لا يجوز الترحم عليه.

وما أشد الجرأة على أكثر من ملياري إنسان في العالم حين يدعم الداعية قوله وفتواه وتكفير مانديلا بالقول: “ويحرم على المسلم الترحم على نصراني”! وعليه فمن قرر من المسلمين الترحم على المناضل الكبير فقد وقع في الحرام، ولا نعلم بعد ما هو الحل وما هو سند الإفتاء الذي سيعتمده الداعية للسماح لمن ترحم على مانديلا كي يعود إلى الإسلام.

تطلق الفتاوى بكل ثقة، وبسلاسة لا يباريها سوى القدرة على صدور فتاوى تجيز ما لا تقبله أخلاق الكريم ولا ترضى به المروءة ولا يلامس فؤاد الحر. تقسم فتاوى هؤلاء الكون باستسهال الهدم، وتشق فكرة قبول الآخر حتى بعدما يغادر الدنيا.

وبما أن الفتوى تتضمن حرمة الدعاء للنصراني وهو ميت فلا بد لنا من التساؤل والحدس عن رأي الداعية في الطريقة الواجب التعامل بها معه إبان حياته. وإلى أي حد من الممكن الاستماع إلى وجهة نظره. وهل تبدلت الأحكام بتبدل الأزمان وهل صار الكتابي كافرا لا أمل منه ولا فيه، ولا يمكن بأي حال إطلاق سراح فكره كي يهتدي إلى الإسلام. وهل يستتاب أم يترك حتى يؤوب ويتوب؟! أم أنه لا يملك أدنى حق في اعتناق ما يشاء، وبعد ذلك كله لا يمكن قبوله إلا مسلما ولا عبرة حسب هؤلاء الدعاة ولا اعتراف بالآية الكريمة: “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”.

سريعا سريعا استعمل الداعية “حقه” في (النطق عن الله) ومهر الفتوى توقيعه الجليل ونشرها على تويتر ..تويتر نفسه الذي أنشأه “نصراني كافر”.

لكم تحمل هؤلاء “النصارى”!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث