ثلجٌ أكثر وأقزامٌ أقل

ثلجٌ أكثر وأقزامٌ أقل
المصدر: عدلي صادق

لهطول الثلج بهجته، حين يكسو السطوح والسفوح والأغصان. فكلما تبدى كقطن مندوف، يَفْتَرُّ ثغرُ العاشق والعابد، تبسّماً لقَطْرٍ بلا ماءٍ. وقيل إن الليلة التي يبرقِعُ فيها الثلج وجه الثرى؛ فإنه يستحثُ الذكرى ويُغذي الأمل، ويجُرُ الرَبابَ، فيستعذب صاحب الشبّابة، عودة عاجلة الى أشجى الألحان!

غير أن بياض الثلج، في شتائنا الراهن، أفصح عن سواد القلوب في وقائع أيامنا. هطوله يقسو على مخيمات اللاجئين، دون أن يفرح الأطفال بقدر ما يلسع أبدانهم ويلقى سخريتهم!

وطننا العربي الذي سميناه كبيراً، يتصاغر أمام محنة الكرام الذين أذلهم سعيهم الى الحرية. بل إن هذا الوطن الكبير الشاسع، ذا الفوائض والفضائيات الباذخة؛ اختار أن يصبح قنفذاً، يتكّور مخبّئاً وجهه، فلا ترى منه سوى الأشواك، ولا تعرف من أين يتنفس، وما إذا كان له قلب، أم إنه يخفق بنصف نعل، مقطوع من إطار شاحنة مهترئ. ليس هناك من يعرف كيف تنفتح مغاليق القنافذ. كنا، في طفولتنا، نذهب إلى “مسعودة” العجوز الكئيبة الغامضة، ومعنا قنفذنا. هي التي نقلت لنا عن الأقدمين، حديثاً عن السُخط الرباني الذي حلّ بخروف سمين فاستحال قنفذاً. كانت تملأ “طشتاً” بالماء، ثم تُلقي بقنفذنا فيه. سرعان ما ينفتح المتكور الشوكي، فتظهر أجزاؤه وأعضاءه وتفاصيله، وملامح وجهه العابس. تماما مثلما انفتح في طشت البحر، عالمٌ رعديد، ملفوف بالشوك، يزداد عقماً وتفاهة، كلما انقلب زورق، أو غلّب الموج قارباً فقيراً ضل الطريق، فأضاع المسافرين وأوصل النوخذي إلى جهنم. كأن عالمنا الزائف، لا يعرف أن الفصول تتابع، وأن من بينها الشتاء، وأن للأطفال أبدان طرية، وأن الكرام قد اضطروا للهرب من نار جهنم، بحكم سليقة المؤمنين!

كان الأخوان “غْريم” Grimm الألمانيان، قد ابتدعا في مستهل القرن الـ 19 شخصية فتاة مليحة خيالية، سمياها “بياض الثلج” Snow White التي ألهمت الأدباء والفنانين وكتاب الدراما ورسامي “الكرتون”. تعرضت الآنسة “بياض” لمحن ومكائد، بلغت حد التسميم، غير أن الله سبحانه، قيّض لها سبعة أقزام وقفوا معها لتنجو، وليغتبطوا هم، بنهاية سعيدة لقصتها. لكن بياض الثلج العربي، في هطوله الحزين، يفتقر الى أقزام نبلاء، لن يحملوا عب رسم النهايات السعيدة للمصائر، وإنما يساعدون على بلوغ نهايات أقل صقيعاً لفصل الشتاء!

المقادير والأرزاق والمصائر والثلوج، تتوزع في هذه الأوقات، بفوارق كاريكاتورية. يُبهجنا ثلجنا في الضفة، دون أن يفارقنا صوت موسيقى “الثلجة البيضاء وجنون الحقيقية” التي قدمها السويدي “درور فيلر” وزوجته “غونيلا”. يهودي وزوجته، تجاوزا بألف ميل من الشجاعة، السيد القنفذ العربي، عندما أحالا إلى متحف بلدهما مقطوعة موسيقية عن قصة الاستشهادية هنادي جرادات التي تنصل منها معظمنا. وفي ملصق التعريف، ثمة بركة سباحة مستطيلة، ماؤها بلون الدم، يطفو عليها قارب هنادي، محملاً بحروف حكايتها، ومن حول المستطيل ثلج بارد. نظرة على بياض الثلج لراحة النفس وبهجة الذكرى، مقابل الإبحار الدامي في واقع الحياة، وصوت هنادي مع اللحن الكنائسي يهتف: لقد جعلوا قلبي يسبح في الدم. ولأن هذا الدم هو فقاسة الشر في عيون الله المقدسة؛ فإن الإبحار فيه، سيجعل الضعيف قادراً على أيقاع الرعب في قلوب أعدائه!

الثلج يكسو السطوح والسفوح والأغصان، ويستحث الربابَ. لكن الفرح في فلسطين مَوضِعيٌ جداً. الحال العام في بلادنا، شبيه بحال الهطول على السقائف الرقيقة في تخوم سوريا وأطرافها. ويكاد الحال لا يختلف، عن صقيع غزة وشقائها واحتباسها المديد. المعذبون منتشرون، والعذابات تتناسل، أما الأقزام المُنقذون، فإنهم غائبون. لا نطالب العمالقة بالظهور. نطمح الى محض أقزام. إن أمرنا فيه ثلج أكثر وأقزام أقل!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث