سوريا تستعين بالجنرال الأبيض

سوريا تستعين بالجنرال الأبيض
المصدر: تاج الدين عبد الحق

يأتي الثلج، محملا بفرح الميلاد، ورهبة الموت . مخاض واحد يتبدل فيه الزمن، وتتغير به الطبيعة، مخرجة من رحم الموت حياة جديدة، ضمن جدلية مستمرة تجسد قدرة إلهية أبدية تثير الدهشة وتبعث الإعجاب مرة بعد مرة.

وللثلج في التاريخ دور سياسي. أطلق عليه الروس الجنرال الأبيض عرفانا بدوره في إلحاق الهزيمة بكل الغزاة الذين طرقوا أبواب موسكو. بسببه تغير التاريخ، عندما وقفت على أعتابه طموحات ألمانيا النازية لبسط سيطرتها على روسيا، ومن قبل عندما قضت على أحلام نابيلون بإمبراطورية فرنسية، تكافيء في قوتها وامتدادها الامبراطورية البريطانية. مَثل الثلج رصيدا استراتيجيا لقوة روسيا القيصرية ومن بعد لصمود روسيا البولشفية.

اليوم يأتي الجنرال الأبيض للشرق الأوسط في مهابة، تحمل نذر الموت للمعذبين السوريين الذين شردتهم الحرب في منافي اللجوء، وأمل الحياة لمن أعياهم انتظار، حسم عسكري صعب أو حل سياسي مستحيل.

جنرالات الحرب في سوريا، وهم على مقربة من مؤتمر جينف 2 المفترض أن يعقد خلال شهر من الآن، هم اليوم في مواجهة الجنرال الأبيض، وهي مواجهة قد تبدل الموازين، وتغير الحسابات.

فالعاصفة الثلجية هي عبء على قوى المعارضة التي لا تملك ما يكفي لمواجهة قوات النظام حتى بدون الظروف الجوية القاسية التي تقاتل فيها، وهي عبء على النظام الذي لا يعجز عن مواجهة معارضيه فقط، بل يتحمل أيضا وزر المآسي الإنسانية التي يعيشها السوريون في الداخل، و ما يلاقون في منافي الخارج .

الجنرال الأبيض، إذا طال مقامه، أو تكررت زياراته، وتواتر مجيئه، هذا العام، بنفس الايقاع، قد يدفع قوى المعارضة لترشيد طموحاتها بحيث تتجاوز الخطاب السياسي الأجوف الذي منعها حتى الآن من تكوين رؤية سياسية قادرة على تقديم بديل موحد، يقبله السوريون في الداخل، ويرضى عنه الحلفاء في الخارج.

في المقابل فإن الجنرال الأبيض قد يزيد من الضغوط السياسية التي يتعرض لها النظام حتى من قبل حلفائه الذين لن يكون بمقدورهم تبرير أي كوارث إنسانية محتملة قد يتعرض لها السوريون بسبب الظروف المناخية الراهنة.

التعويل على الطبيعة، لإيجاد حلول للأزمة السورية، بالرغم من طابعه القدري، هو تعبير عن الإحباط من كل الجهود السياسية المبذولة حتى الآن. فبالرغم من الثمن الباهض الذي قد يدفعه السوريون بسبب موجة البرد والعاصفة الثلجية التي تتعرض لها منطقة البحر المتوسط عموما وسوريا خصوصا، فإن هذه الموجة قد تكون مقدمة لحلول سياسية. فالكوارث الانسانية غالبا ما تكون مقدمة للحلول. حدث هذا في رواندا التي شهدت موجة قتل جماعية أودت بحياة نصف مليون راوندي قبل أن يهب المجتمع الدولي لنجدتها، وحدث هذا في البوسنة والهرسك التي لم تنته الحروب فيها إلا بعد أن دفعت ثمنا انسانيا باهضا، كما حدث مثل هذا التدخل في كوسوفو، التي لم تلتئم جراحها الإنسانية والسياسية إلا بعد سلسلة من المذابح ومشاهد التهجير والتشريد.

من المؤسف بالطبع أن تكون الطبيعة أرحم من بني البشر، وأقدر على مواجهة الأزمة، لكن من المؤكد أن العاصفة الثلجية الحالية التي تهب على المنطقة ستكون مفصلا مهما، ونقطة تحول، في مسار الأزمة حتى لو لم تنجح في إيجاد مخرج حاسم منها. فالوضع الإنساني اليوم لا يدفع ثمنه السوريون وحدهم بل يتحمل وزره ويدفع ثمنه الضمير الإنساني الذي لا يمكن أن يتجاهل أو يتغاضى طويلا عن مشاهد الموت التي تضرب أبناء سوريا في الداخل وتلاحقهم في الخارج .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث