مانديلا علامة الجودة

مانديلا علامة الجودة

بقلم: تاج الدين عبد الحق

يوصد نيلسون مانديلا باب عمره المديد ، وقد حفر اسمه في التاريخ الانساني كمناضل لم يعرف الوهن ، ولم تلوثه المصلحة الشخصية .

من محبسه الذي قضى فيه أكثر من 28 عاما متواصلة، قاد نضال شعبه ضد العنصرية ، ليصبح أيقونة الحرية لا لمواطني جنوب أفريقيا ولا للقارة السوداء بل للعالم أجمع.

قاد بلاده بعد الاستقلال، بتواضع المناضلين الشرفاء الذين عاشوا مدافعين عن قضايا أمتهم وعن مواطنيهم ، وعن الحرية بكل معانيها الانسانية الجميلة.

ميزة مانديلا كانت في تماهي ارثه الفكري مع سلوكه اليومي. وهذه هي ميزة الكبار الكبار، من قادة العالم.

وجدنا ذلك في غاندي مثلا، الذي انتهج، كما مانديلا، أسلوبا غير تقليدي في النضال، فقاد وطنه للاستقلال بصلابة لم تعرف العنف و وإيمان لم يعرف التعصب، وإنفتاح لم تشوبه العنصرية.

في الجوهر مانديلا، وغاندي ينتميان لمدرسة واحدة ، قائمة على بساطة الفكرة، وصدق التطبيق . عندما تولى مانديلا رئاسة جنوب افريقيا بعد خروجه من السجن، كانت قيمته الوطنية والانسانية، أهم بكثير من المنصب السياسي الذي تولاه. لم ينظر للمنصب بإعتباره ثمرة لنضاله الطويل ، وحقا مكتسبا يعوض به حرمان السجن وآلامه. كان المنصب في الواقع تضحيتة الأخيرة، فقد شكل وجوده على رأس الدولة في ذلك الوقت، ضمانة تحظى بالاحترام والمصداقية، لاستقلال ناجز، وإنتقال سلس من حالة تمزقها العنصرية إلى حالة تعايش بعيدة عن التعصب والعنف . كانت هذه المهمة صعبة ، على شعب لديه كل الأسباب التي تبرر رغبته في الانتقام من جلاديه السابقين، وتدفعه لاسترجاع وإستعادة حقوق حرم منها سنوات طويلة .

عندما نستعيد سيرة مانديلا، ونحن نودعه بعد رحلة حافلة بالعطاء، نقارن بين الرجل الذي أصبح جزءا من ضمير العالم المثقل بالحروب والعنف وإنتهاك حقوق الانسان، وبين أولئك الذين يتاجرون باسم النضال بدماء مواطنيهم، لتحقيق مصالح أنانية ضيقة، أو كسب شخصي سريع . مواقف مانديلا كانت كافية لإحراج دول وأنظمة، وكلمة منه كانت قادرة على إحداث تغيير في الموازين. تسابقت الدول والانظمة للتقرب إليه، واستدراج موقف منه، لأنها كانت تعلم أن هذا الاقتراب وهذا الموقف هو علامة الجودة التي تتباهى بها في مواجهة الآخرين. تساءلت وأنا أبحث عن سر هذا العمرالطويل الذي عاشه مانديلا، رغم عذاب السجن، ورغم الاضطهاد ، فوجدت أن السر يكمن في أنه كان منسجما مع نفسه دائما. فهو لم يكن يرى أي معنى للحرية دون أن يكون شعبه متمتعا بها، ولم يقبل أن يمارس العنف الذي كان يرفض أن يمارس بحق مواطنيه .

كان يؤمن بأن قوة الحق أكثر مضاضة، وأشد فتكا من قوة السلاح . لم يترك لإعدائه فرصة تشويه سيرته، التي ظل ضعفها مصدر قوتها، وعنصر إلهام لا لمن قادهم، أومن عايشوه وتمثلوا سيرته، بل لآجيال قادمة تكون الحرية عندهم أول أولوياتهم ، وأغلى ما يسعون إليه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث