أخبارنا وأخبارهم

أخبارنا وأخبارهم

تاج الدين عبد الحق

تبدو اهتمامات وتغطيات الإعلام الغربي لبعض الأخبار والموضوعات، غريبة، ومستهجنة، قياسا لما يرد في صحفنا وفضائياتنا وإذاعاتنا.

بعض تلك الاهتمامات تدفع كثيرين للسخرية والاستهزاء، لكنها مع ذلك تثيرالحفيظة وتستفز المشاعر لما تعكسه تلك الاهتمامات من فارق حضاري، وما تتضمنه من أبعاد إنسانية.

مناسبة هذا الكلام خبر من ايسلندا التي لا تأتي الأخبار منها إلا لماما، فآخر ما سمعناه عنها قبل الخبر الجديد، إفلاسها إثر الأزمة الاقتصادية التي مر بها الاقتصاد العالمي، والذي هو بالمناسبة “إفلاس خمس نجوم ” ويختلف عن الإفلاس المعروف لدينا، ولا يتطلب كما هو الحال عندنا التضييق على حياة الناس، وكتم أنفاسهم، ودفعهم للهجرة بقوارب الموت بحثاً عن عمل، أو التماساً للنجاة في بلاد ودول أخرى.

يقول الخبر الجديد إن أيسلندا التي يبلغ عدد سكانها 350 الفاً، أصيبت بالصدمة، وعاشت “كلها” تخيلوا كلها!، لحظات قلق بسبب إقدام الشرطة ولأول مرة في تاريخها، على إطلاق النار،… تصوروا أيضاً .. لأول مرة في تاريخها، بعد أن اضطرها لذلك، معتوه كان يطلق النار عشوائياً من بناية في العاصمة ريكيافيك، وأن محاولات الشرطة المستميتة للقبض عليه حياً فشلت وأنها اضطرت لقتله لأنه رفض لعدة ساعات الاستجابة للشرطة، وواصل إطلاق النار على الجنود الذين اقتحموا المبنى الذي كان يتحصن به، وأن طلقات أصابت خوذة أحد الجنود والدرع الواقي لجندي آخر، قبل أن تصيبه الشرطة وتنقله للمستشفى حيث توفي متأثراً بجراحه.

الأكثر غرابة أن الشرطة أعربت عن أسفها، وقالت إنها باشرت تحقيقاً لمعرفة ملابسات الحادث بما في ذلك أداء الشرطة وما إذا كانت قد استنفدت إمكانيات السيطرة على مطلق النار حياً وما إذا كانت هناك ضرورة لقتله.

لا ندري بعد ذلك الإجراءات المكملة التي اتخذتها الحكومة الإيسلندية، وما إذا كانت تتضمن تغييراً في قواعد عمل البوليس ومعالجة الآثار النفسية للقاطنين بجوار مكان الحادث، لكن الإعلام الإيسلندي لم يترك شاردة ولا واردة للإضاءة على الموضوع والإحاطة بجوانبه المختلفة.

التفاصيل المملة الواردة في الخبر، تذكرنا ابتداء، ببعض عناصر الشرطة في بلادنا، التي عندما تلقي القبض على أحد المواطنين فيموت بين أيدي رجالهم وتحت التعذيب، يصبح همها البحث عن دليل وتبرير، أو استخراج تقرير طبيب شرعي، يؤكد أن المواطن القتيل مات بسبب قطعة حشيش حاول ابتلاعها لحظة القبض عليه. وخالد سعيد مثل حاضر وقريب .

التفاصيل أيضاً تدفعنا للمقارنة بين الاهتمام الذي يوليه الإعلام الغربي لقضايا نجدها نحن سخيفة ومثيرة للسخرية، وبين ما يرد في إعلامنا من أخبار عن هجمات لسيارات مفخخة تحصد العشرات من الأبرياء، وعمليات انتحارية باتت لكثرتها وتنوع أهدافها، واستهدافاتها تعبيراً عن ثقافة عامة، لا عن حالة أو مجموعة شاذة، أو أخبار متكررة عن قتل زوج لزوجته أو أخته بسبب شبهة، أو تعبيراً متخلفاً عن الشرف أو الرجولة، أو تفاصيل مروعة عن تقطيع أوصال زوجة لزوجها بسبب معاناتها المتراكمة معه، أو حرمانها المتواصل من حقوق أساسية.

وعلى عكس ما هو متوقع من هذه المقارنة، فإن اهتمامات المجتمع الغربي وهمومه على سخفها بالمقارنة مع همومنا، تجد طريقها لإعلامنا وتحتل مكاناً بارزاً فيه، بل إنها مادة مقروءة، حتى من أناس تحيط بهم المصائب والنوائب من كل جانب، لا لتأثر القارئء أو المشاهد العربي بها بل بسبب سطوة الآلة الإعلامية الغربية، وقدرتها على جذب الاهتمام من جهة، ومن جهة أخرى بسبب ما تثيره المقارنة من ألم وحسرة، تضيف بعداً نفسياً لما يعانيه المواطن العربي من مشكلات وهموم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث