هل أصبحت “الماركسية” في خبر كان؟

هل أصبحت “الماركسية” في خبر كان؟

نجم عبد الكريم

قرأت كتاب كارل ماركس (رأس المال) في أكثر من مرحلة من مراحل سنوات العمر، في الستينيات لم أستوعبه نظراً لصعوبته، في السبعينيات وجدتني أقترب إلى معرفة أجزاء كبيرة مما ورد فيه، وقد عدت إلى قراءته بعد عام 2000 ، وكما قال ( كروتشي ) :

” غرابة ترتيبه، وخلطه بين النظريات العامة، ومزجه بين حدة النقاش، وجمعه بين الواقع واللاواقع، بالإضافة إلى أنه كتاب يحاول أن يضرب الأمثلة التاريخية والاستطراد الخارج عن الموضوع!”.

لكنه كما كتب ( فريهون ) :

” إن أعظم ما قدمه ماركس للعالم الحديث سواء كان اشتراكياً أم رأسمالياً، هي الصورة التي رسمها لمجتمع لا فاقة فيه، ولا مرض، ولا ألم، وأن هذا المجتمع آتٍ لا ريب فيه..”.

وكنت شديد الحرص على معرفة علاقة كارل ماركس بالدين من خلال انتشار مقولته الشائعة ( الدين أفيون الشعوب ) .. فوجدت أنه قال :

” أن جميع الديانات القديمة مثل المسيحية، تعلم الناس القناعة بنصيبهم في الحياة الدنيا وتشيد بالاستسلام والخنوع والتواضع، فكأنها تخدر أعصاب الشعب وتعمل فيه عمل الأفيون، وتعصب عيون الطبقة العاملة عن مصيرها وتسد عليها طريقها إلى الثورة!!.. خاصةً الكاثوليكية التي كانت سائدة في ألمانيا قبل ظهور اللوثرية “.

ثم واصلت قراءتي في دراساته الاقتصادية، وخاصة نظرية فائض القيمة التي ترتكز عليها الماركسية .

ترى ما هو مبلغ حقيقة نظرية فائض القيمة في أقوال ماركس؟!..

لقد شغل هذا الموضوع بال عددٍ كبير من العلماء والمفكرين طوال القرنين الماضين.. فلما تقدم الزمن تكشف للعالم ما في نظريات ماركس ونبوءاته من أخطاء، فلم يعد ثمة اقتصادي غير ماركسي النزعة يأخذ مأخذ الجد بنظريته في القيمة، وفي فائض القيمة، مع أنهما ركنان أساسيان في صرح تفكيره !.. ولم يحدث في أية أمة ذلك الصراع بين الطبقات الذي سينتهي بالطبقة العاملة إلى الثورة التي تنبأ بها ماركس..

بل على العكس من تقديرات ماركس نجد أن النظام الرأسمالي قد اتجه على الأقل، في أكثر الأمم استنارةً اتجاهاً مخالفاً لما توقعه له .. فبدلاً من ازدياد البؤس والفاقة والآلام بين الطبقة العاملة، حدث عكس ذلك ، فقد أُنشئت النقابات القوية، وأصدرت الحكومات التشريعات العمالية التي أوقفت المساوىء التي تقترن بالمنافسة الرأسمالية والاحتكار عند حد.

* * *

لقد انتشرت المبادىء الماركسية في عدد من دول العالم مثل روسيا التي اعتنقت مبادىء ماركس لأكثر من سبعين سنة، ثم تقوّض فيها النظام الشيوعي، ولا زالت الأحزاب الشيوعية منتشرة هنا وهناك، وخاصةً في الصين ودول أخرى انضوت تحت راية المبادىء الماركسية، وإن كان البعض من هذه الدول لم يطبق الشيوعية أو المبادىء الماركسية كما دوّنها كارل ماركس، مما دفع بالرئيس الأمريكي ترومان أن يعلق على ذلك قائلاً:

” إن روسيا ليست شيوعية، ولا ستالين نفسه شيوعياً حقيقياً، إنما يوجد فيها ديكتاتورية الحزب الشيوعي.. وهي لا تمت إلى الديكتاتورية العمالية بشيء.. فزعماء الشيوعية وفي مقدمتهم (لينين) قد رأوا أنه من الأيسر عليهم أن ينادوا بمبادىء ماركس دون ممارستها، وبينما هم يتشدقون بمدح الفلسفة الماركسية.. نراهم قد بدّلوا وعدّلوا في تعاليمه التي ورثوها منه كلما اقتضت الظروف والضرورة.”

وقد روي عن ماركس أنه قال عندما شاهد ما يفعله أتباعه: ” أعترف بأنني لست ماركسياً!” .. ومن الطريف أن تنتشر دعابة فيها شيء من الطرافة عن ماركس بين الاشتراكيين وهي: ” أنه لو عاش ماركس في عهد ستالين لمّا عمّر طويلاً”.

كما قلت إن كتاب رأس المال عسير الفهم، ورغم سقوط معظم أطروحاته، فإنه من العسير علينا اليوم أن نقلل من شأن تأثيره على عصرنا، إذ لا شك في أن حملته على الرأسمالية كانت خيراً وبركة عليها، فبفضل تشهيره بمساوىء النظام الصناعي، وتهديده بثورة العمال على الرأسماليين، صدرت تشريعات هامة لصالح العمال، وكان لتنديد الشيوعيين والاشتراكيين بعيوب الرأسمالية أبلغ الأثر في تصحيح مساوئها، وبذلك تضاءلت أو مُحيت عوامل الثورة التي كانت ستؤدي إلى الثورة العمالية التي تكهن ماركس بنشوبها يوماً ما.

وفي النهاية فإن ماركس لم يقل بأن الدين أفيون الشعوب بالمطلق، وإنما قصد الكاثوليكية التي كانت سائدة في ألمانيا قبل الثورة اللوثرية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث