إيران.. دفعت أم قبضت ثمن الاتفاق النووي؟

إيران.. دفعت أم قبضت ثمن الاتفاق النووي؟
المصدر: تاج الدين عبد الحق

هل دفعت إيران أم قبضت ثمن الاتفاق على برنامجها النووي ؟ صيغة السؤال تؤشر إلى التباين الشديد في تقييم بنود الاتفاق وتحديد آثاره؛ فالذين يعتبرون أن إيران دفعت ثمنا لاتفاقها يحسبونه بالخسارة التي لحقت بها، وهي خسارة سياسية ومعنوية، مثلما هي خسارة اقتصادية؛ فعلى المستوى السياسي والمعنوي تبدو إيران وكأنها تخلت عن أحد عناوين الهيبة والممانعة، وتراجعت عن خطابها الأيديولوجي الذي كان يضعها رأسا برأس في مواجهة ما ظلت تعتبرها قوى استكبار عالمية.

وعلى هذا المستوى أيضا، ستجد إيران نفسها أمام استحقاقات داخلية قاسية قد تبدأ بالتساؤلات التي قد تثيرها القوى السياسية المحلية عن معنى ومبررات التعنت الطويل الذي أبدته النخبة السياسية على مدى سنوات، دفع خلالها المواطن الإيراني ثمنا باهظا من حريته وموارده، ووضعته في عزلة قاسية انعكست على كافة مظاهر حياته، ومن الواضح أن الرئيس روحاني رغم روح الاعتدال التي بدأ فيها مسيرة فترته الرئاسية ومع الشعبية النسبية التي يحظى بها لا يملك فرصة التخلي أو التنكر للمرحلة الماضية ، وتحميل قيادات تلك المرحلة المسؤولية عن أخطاء ما حدث وكلفة التعنت، خاصة وأن رموز تلك القيادات وأنصارها لا يزالون في أماكنهم بكافة مفاصل الدولة السياسية والعسكرية والتشريعية، فضلا عن المظلة الأيديولوجية التي تربط بين هذه المفاصل جميعا.

هذا الاستحقاق الداخلي مرشح للتفاقم فور تراخي قبضة الضغط الدولي الخارجي الذي كان يوحد إلى حد ما الشارع الداخلي الإيراني. صحيح أن روحاني يراهن على أن رفع الضغط الدولي وتخفيف العقوبات سيخفف من المصاعب الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها المواطن الإيراني إلا أن هناك من يرى أن الخلافات السياسية أعمق من أن تحلها مسكنات إصلاح قد لا تكون كافية لعلاج خلل اقتصادي عميق يتطلب إصلاحا جذريا قد يضع إيران أمام تغيير شامل لا يطال بنية الدولة ومؤسساتها فحسب بل يعيد التوازن للمعادلات التي تضبط الإيقاع السياسي فيها.

كذلك فإن انعكاسات الاتفاق على المؤسسة العسكرية الإيرانية ستكون انعكاسات سلبية؛ فالقيادات العسكرية كانت ترى في البرنامج النووي أحد العناوين الرئيسية لقوتها وطموحاتها، مما يجعلها غير محايدة في أي صراع سياسي داخلي على خلفية تحجيم البرنامج النووي ومحاسبة من كان وراء إهدار الموارد لبنائه والتمسك غير المبرر به والموارد الأكبر التي ستدفع ثمنا لتفكيكه، كما أن هذه المؤسسة لن تكون محايدة في أية محاولة لاستثمار هذا الاتفاق لإدخال إيران دائرة “ربيع تغيير” مماثلة لربيع التغيير الذي مرت أو تمر به العديد من الدول العربية.

في الجانب الآخر فإن الذين يعتبرون أن إيران قبضت ثمن اتفاقها مع الغرب لا يلتفتون فقط إلى المقابل المادي المباشر للاتفاق والمتمثل بالإفراج عن أرصدة مالية إيرانية وتخفيف العقوبات المصرفية ، بل للثمن السياسي غير المباشر االذي حصلت عليه، وهو ثمن بدأت إيران تجني ثماره حتى قبل أن يعلن عن الاتفاق رسميا؛ فعلى المستوى السياسي فإن الاتفاق يخرج إيران من عزلتها الدولية، وهو خروج بدأ بالفعل حتى قبل إبرام الاتفاق وتمثل ذلك أولا بالاتصالات البرتوكولية الخجولة التي بدأتها الإدارة الأمريكية مع إدارة الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني والتي ما لبثت أن تطورت وتسارعت وتيرتها بأشكال مختلفة، بعضها معلن وبعضها الآخر غير معلن؛ ومنها كذلك تبادل فتح السفارات والزيارات، كما أن الاتفاق تضمن اعترافا غربيا بالدور الإقليمي لإيران، وهو ما جرى التعبير عنه فعلا بدعوة إيران إلى حضور مؤتمر جنيف 2 الخاص بالأزمة السورية فضلا عن القبول الضمني بالدور العسكري الإيراني المباشر وغير المباشر في سوريا وتجاهل الضيق الذي تشعر به دول المنطقة إزاء هذا الدور وما يثيره من مخاوف وهواجس.

الأمر الآخر أن الاتفاق الذي يتناول حصرا البرنامج النووي الإيراني يفتح المجال أمام إيران لتطوير برامج التسلح المتطورة الأخرى التي تنفذها إيران والتي قد يوفر لها وقف البرنامج النووي العسكري موارد جديدة تسهم في تسريع وتوسيع بعض هذه البرامج مثل برامج تطوير منظومة الصواريخ بعيدة المدى وبرنامج تطوير الطائرات دون طيار وحتى منظومة ما يعرف باختراقات البرامج الإلكترونية المعروفة بـ (حرب السايبر).

وخطورة برامج التسلح التقليدية هذه أن تهديدها الأساسي لا يطال المجتمع الدولي كما يطال دول المنطقة وهو ما يعني إجبار دول المنطقة على الدخول في سباق تسلح مرهق للتصدي لطموحات إيران الإقليمية.

ومع أنه لا يزال مبكرا حصر إيجابيات وسلبيات الاتفاق دوليا وإقليميا فإن الواضح أن الاتفاق يضع المنطقة أمام مرحلة جديدة مفتوحة على أكثر من احتمال قد لا يكون من بين أهدافها جعل المنطقة أكثر أمنا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث