يا سيدي اضحكوا علينا..

يا سيدي اضحكوا علينا..

نظير مجلي

الخبر يقول: حوالي 12 ألف لاجئ سوري جديد وصلوا إلى لبنان بالطرق الشرعية، أي عبر المعابر الرسمية، و20 ألفا آخرين، وصلوا بطرق غير شرعية، في غضون 24 ساعة. وفي التفاصيل أن هؤلاء مشوا لمسافة 13 كيلومتراً ما بين بلداتهم السورية حتى عرسال اللبنانية.

والخبر بات عادياً جداً. فمن شعب كالشعب السوري خرج منه أكثر من مليوني لاجئ إلى البلدان المجاورة، ومليونين آخرين تشردوا داخل الوطن، لماذا يجب أن نتأثر من إضافة 32 ألف لادئ جديد؟ ونحن لا نتحدث عن سقوط أكثر من 150 ألف قتيل، إذ نريح ضمائرنا بتعيينهم “شهداء عند ربهم يرزقون”.

لكن، الخبر العادي لا يمر مرؤ الكرام على آذاننا. نتفرس في عيون أولئك الأطفال الذين يسيرون أمام أمهاتهم. نمعن النظر إلى الآلام المشعة من عيون تلك الأمهات. ننظر إلى الآباء، الذين يئنون بصمت، فيه كثير من الكفر بالذل والمهانة وهم عاجزون عن اطعام أطفالهم وتوفير لباس يمنح بعض الدفء للأجساد الغضة وتفادي الأمراض التي تدب في أحشائهم ونفوسهم.. فلا نعرف نوما هادئا.

تعالوا نتخيل حال كل عائلة سورية كهذه.

تعالوا نحاول رسم صورة في خيالنا لطريقة عيش كل فرد منهم.

عائلة تعيش على كفاف يومها في بيت بسيط ولكن أكثر أماناً. قالوا لها إن هناك ثورة في الأفق تبشر بإسقاط نظام الاستبداد واستبداله بنظام حر يحترم الإنسان والأخلاق. صدموا بأن البديل لا يقل سوءاً. فاستأزروا بالصبر على أمل أن يتحقق الأمل فيما بعد. وانتظروا حتى عيل صبرهم ولكن بقوا ساكنين خالدين في بيت يقتاتون من القليل ويعانون بصمت ولا يكفرون.

وفجأة، يدخل الحريق بيوتهم. يجدون أنفسهم مصعوقين، يحتاجون للهرب الفوري حتى لا يموت أولادهم بين أيديهم. يحملون ما خف حمله. تخيلوا المشهد، كيف يمكن لك أن تحمل ما خف حمله في لحظات. يتيقنون أنهم ليسوا وحيدين في الهرب فيتحمسون على الانضمام للقوافل. ويمشون ليلاً، مهرولين، فيتعبون لكن التعب محظور. يغذون السير أكثر كلما اقتربوا من الحدود. تذكروا أنهم لم يحملوا ما يكفي من طعام أو شراب. الأطفال يصرخون من آلام الجوع وعناء الطرقات. وماذا حصل لكبار السن منهم. من تركوا ومن أخذوا معهم وكيف يسيرون. لم يحسبوا حسابا لاحتياجات مفاجئة من المرضى والعجزة والأطفال.

ويصلون إلى بر الأمان بعد ساعات طويلة، ليجدوا أن لا أمان ولا ما يحزنون. فإن وصلوا إلى لبنان، وجدوه مهموما أكثر. وتبدأ رحلة عذاب أخرى من جديد. نقص في الموارد يجعل البطانية حلما والأكل قصة والمرحاض عجيبة، ولم يتح الوقت بعد ليفكروا في برد الشتاء القادم وأمطاره الكريمة.

من يفكر في معاناة هؤلاء بتفاصيلها الموجعة، من؟

القادة السوريون؟ جميعهم مشغولون في حروب الكراسي والمصالح. لا يفكرون في معاناة البشر على الأرض، ولا حتى في سبيل اضحك على الذقون. كل الحلول التي يطرحونها لا تأخذ بالاعتبار هذه المعاناة، ولا تقدم أي علاج حقيقي لمأساتهم. ولا يبدون أي اهتمام بهم، ولا حتى في لغة التخاطب.

لن نقلل من شأن ما يقدمه اللبنانيون والأردنيون والأتراك من معونات انسانية ولا نشكك في نوايا الكثير من العرب والغرب في البحث عن حلول للقضية الكبرى، أي الصراع على الحكم وشكل الحكم ومستقبله. لكن هناك أمرا ملحا يتعلق بالمواطنين السوريين يحتاج إلى علاج ما سريع وناجع يوقف معاناتهم ويجد لها حلولا حقيقية وابداعية مخلصة من القادة السوريين أنفسهم ولكل من يريد الخير للشعب السوري. هذا هو المحك للإخلاص للقضية السورية. وتجاهل هذه المعاناة هو استخفاف بالقضية الوطنية لهذا الشعب. وكأنهم يتوقعون أن يكون شعبهم يناشدهم: يا سيدي اضحكوا علينا.. اذبحونا..!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث