الفوضى بين الحل القومي والحل الديني

الفوضى بين الحل القومي والحل الديني

تاج الدين عبد الحق

الفوضى الخلاقة، التي تتخذ اليوم من المشروع الديني عنوانا، تشكل في الجوهر تسمية أخرى للفوضى التي كانت عنوانا لمرحلة ما سمي بالنهوض القومي، التي امتدت طوال عقدي الخمسينات والستينات، والنصف الأول من عقد السبعينات.

فالفوضى الحالية، التي تتخذ شكل مظاهرات، وإعتصامات في الشوارع والميادين، وإنتشار للميليشيات والمسلحين في المدن والساحات، هي في المآل والمخرجات، نسخة أخرى من فوضى الانقلابات العسكرية التي أدت في نهاية المطاف إلى سلسلة طويلة من النكسات والإنهيارات والتراجعات، لم ينج منها، إلا من نأى بنفسه عنها، أو من لم يكن قريبا من نارها .

اليوم يعيد التاريخ تمثيل نفسه، بأبطال جدد، ومسميات جديدة . فالمشروع الديني يفشل اليوم في تجسيد نفسه كبديل للمشروع القومي رغم وصوله للسلطة، واستئثاره بها في أكثر من بلد عربي واسلامي، تماما كما فشل المشروع القومي، من قبل، في أن يكون رافعة الوحدة القومية، وقاطرة التنمية رغم تعاقب الأحزاب الممثلة لذلك المشروع، ورغم وصول رموزه وقياداته إلى سدة الحكم أكثر من مرة، وفي أكثر من بلد عربي، ولمدد طويلة استمرت عدة عقود.

والمشروع الديني، الذي يطرح نفسه كحل نهائي، لأزمات الأمة، ينتهي به المطاف اليوم، كما المشروع القومي، إلى مزيد من الارتهان إلى القوى الاجنبية، وإلى تعريض المنطقة لمزيد من التفتيت، والتقسيم، وإلى مزيد من الإنهيار الاقتصادي والاجتماعي، وإلى دمار للمرافق الخدمية، والبنية التحتية .

ومثله مثل المشروع القومي، فإن المشروع الديني، وهو يطرح نفسه كحل، يستند في طرحه هذا، إلى فكرة الإقصاء والاستبعاد، لا لمخالفيه من الملل والديانات الأخرى فقط، بل لمن يخالفونه الاجتهاد والتفسير من نفس الملة ونفس المذهب.

وكما رأينا في المثال القومي، حزب البعث العربي الاشتراكي الذي قام على فكرة الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة ، يتحول إلى “بعثين”، تتضارب بينهما المصالح الشخصية، وتتقاطع لديهما النظرة الأنانية، رأينا في المشروع الديني، اسلاما متشددا وآخر وسطيا أو سلفيا، فضلا عن اسلام سني وآخر شيعي، يترصد كل منها للآخر لا بالحجة فقط، بل بالسلاح والقتل أيضا.

وكما أن المشروع القومي، أعتبر أن من يطرح رأيا مغايرا، أو رؤية مختلفة، حتى في أقل التفاصيل، خائنا تجب تصفيته وقتله وسحله، وجدنا أن المشروع الديني الذي يفترض أنه بديل للمشروع القومي، يستخدم نفس الأساليب، فيعتبر أن من يخالفه الرأي، أو الاجتهاد سواء من الملة، أو من خارجها، كافرا، أو مرتدا يقام عليه الحد، ويستحق القصاص .

وبنفس الأساليب التي شرعن فيها المشروع القومي، ديكتاتورية الفرد أو الحزب، وجعلها ضرورة مرحلية، إمتدت سنوات طويلة، يأتي المشروع الاسلامي، الذي تطرحه قوى الاسلام السياسي الطامحة للحكم، والطامعة فيه، ليشرعن ديكتاتورية الامارة الاسلامية وفق فهم ضيق للدين، وتفسير مبتور، وموتور، وإجتهاد قاصر، لأركانه، ومقاصده، جاعلين من تلك الامارة وما تحتكم إليه من رؤى ضيقة، مقدمة لخلافة اسلامية موعودة.

المشروع القومي الذي استخدم طويلا، ستارا للمصالح الشخصية، والنزعات السلطوية، يطل اليوم بلبوس ديني، غايته الوصول إلى السلطة، والاستئثار بها.

والقوى التي سهلت في مرحلة فوضى المد القومي، لأصحاب المصالح والنزعات إعتلاء السلطة ، ومصادرة حقوق الناس المادية والمعنوية، هي نفسها التي تقدم الدعم والمشورة والمساندة للفئات الجديدة، التي تحاول بإسم الدين، إدخال الأمة في متاهة فوضى ثانية، غايتها وهدفها بعثرة الجهود وتشتيتها، وصرفها عن التحديات والمخاطر الحقيقية التي تواجهها شعوب المنطقة .

ولذلك فإن المقاومة التي تبديها، بعض شعوب دول الربيع العربي الآن، للإفلات من براثن هذه الفوضى الجديدة، هي في حقيقتها ليست لرفض حزب أو تنظيم بعينه، بل لتأسيس حالة وعي جديدة، لا مكان فيها لوصاية فرد حتى لو اتخذ من القومية شعارا ولا إرهاب فكر، حتى لو إتخذ من الدين ستارا .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث