البجعة السوداء*

البجعة السوداء*
المصدر: يوسف ضمرة
حين غزا الأوروبيون أستراليا، اكتشفوا أن هنالك بجعات سود، الأمر الذي شكّل صدمة مفاجئة لأنها هزت فكرة تشبه الفكرة الغيبية المطلقة، وهي أن البجع لونه أبيض لا غير. هذا يشبه في السياسة ما بدا يلوح في الغرب، ويلمسه المواطن الغربي، وهو أن الغرب ليس كليّ القدرة ـ وخصوصا أمريكاـ وأن الفكرة التاريخية التي حملتها أجيال مضت حول حتمية النصر دائما، أخذت تصبح مدعاة للشك والتساؤل. وهو ما أصاب الغرب كله بالذهول، وخصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. يومها كتب مفكر فوكوياما كتابه الشهير” نهاية التاريخ “. وبسرعة خاطفة تمكنت أمريكا من نشر قواتها العسكرية في الخليج إثر اجتياح الجيش العراقي للكويت.

وفي مطلع الألفية الثالثة احتلت القوات الأمريكية أفغانستان، ثم العراق بعد سنتين. ما سبق كله، كان بمثابة بجعة بيضاء. ولكن ما حدث بعد احتلال أفغانستان ثم العراق ثم حرب تموز في لبنان بين المقاومة اللبنانية والعدو الصهيوني، هذا كله كان بجعة سوداء؛ الأمريكيون اللذين استخفوا بالعراق إثر احتلاله بسهولة، فوجئوا بمقاومة مسلحة شرسة أجبرتهم في النهاية على سحب قواتهم من العراق يجرون أذيال الهزيمة. وسيبدؤون في العام القادم بسحب قواتهم من أفغانستان، ولم يشاركوا في ضرب ليبيا إلا بطائرات دون طيارين. وها هم اليوم بعد مرور أكثر من سنتين ونصف من تسليح المعارضة السورية والقوى الظلامية لا يستطيعون البوح بدعمهم الجماعات السلفية والتكفيرية عسكريا، ولا ينفذون تهديداتهم بتوجيه ضربة عسكرية إلى سوريا، ويوافقون على تسوية سياسية ترعاها روسيا في المقام الرئيس. ناهيك عن أن العدو الصهيوني، ومنذ هزيمته في حرب تموز، لم يقم بأي عمل عسكري تجاه المقاومة ولبنان بشكل عام، بعد أن كان يقرر وينفذ عسكريا في الزمان والمكان المختارين

كان فوكوياما يعني في كتابه”نهاية التاريخ” أن التاريخ استقر على انتصار الليبرالية الجديدة، وهيمنة الشركات الرأسمالية العابرة للقوميات والهويات والقارات. ولم يعد ثمة ما يوحي بتغيير ذلك في المستقبل. ولو أن الجرأة تملكته اليوم لأعاد كتابته بشكل آخر، ليقول إنها نهاية عصر هيمنة القوة الكبرى وبدء مرحلة جديدة من الصراع لا تحسمها حاملات الطائرات والقنبلة النووية.

إنها مرحلة يقظة جديدة في العالم كله، بدأت تتمظهر في منطقتنا وفي أمريكا اللاتينية، لتكتشف أمريكا وحلفاؤها أن البجع ليس كله أبيض دائما وإلى الأبد.

.* عنوان كتاب للمفكر اللبناني المغترب نسيم طالب.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث