حتى لا تكون شعبية السيسي مصطنعة

حتى لا تكون شعبية السيسي مصطنعة

تاج الدين عبد الحق

الممانعة التي يبديها الفريق عبد الفتاح السيسي، إزاء فكرة ترشيحه للرئاسة، وإعلانه الدائم بأنه لا ينتوي الترشح في الانتخابات المقبلة، أمر غير مفهوم. والزهد بمنصب الرئاسة ترف لا يملكه السيسي، حتى لو كان حقيقياً، وتردّده بين سلطة فعلية يملكها، ورئاسة مرشح لها، غير مبرّر، إلا إذا كان يخشى الخسارة، لأنّ الخسارة عندها لن تكون خسارة شخصية له، بل خسارة للمؤسسة التي يمثلها، وللمرحلة السياسية التي ارتبطت باسمه.

فالمسؤولية العامة التي يتولاها الفريق السيسي اليوم، لم تكن اختياراً شخصياً، بل ثمرة ظرف موضوعي. والدور الذي يمارسه الآن فعلياً، أكبر من موقعه الرسمي، وأقوى من حيث الصلاحيات من المنصب الذي يشغله، وبالتالي فإنّ الانتخابات بالنسبة له ستعطي لهذا الدور وتلك المكانة مبرراتها، وشرعيتها، كما أنها ستوفر الزخم اللازم لاستمرارها.

التفويض الشعبي الذي طلبه السيسي، في يونيو الماضي، والذي تحرّك بمقتضاه لتولي دفة القيادة، وتوجيه المركب السياسي، هو تفويض ليست له، قاعدة فقهية أو دستورية واضحة متفق عليها، وهو مبنيٌ، في أحسن الأحوال على تقديرات، يمكن للخصوم التشكيك فيها، والتشكيك في مصداقيتها، ومن ثم تبرير الاستمرار في مقاومتها ورفضها.

لذلك فإنّ الانتخابات الرئاسية المقبلة في مصر، إن دخلها السيسي وخاض غمارها، ليست تحديا للفوز بالمنصب الرئاسي، بل هي استحقاق ضروري لإضفاء طابع شرعي على كل الخطوات التي اتخذها الجيش، بعد ثورة 30يونيو، ابتداء من عزل مرسي، ومروراً بإصدار خارطة طريق تحدد مسار الخطوات السياسية والتشريعية التالية، وانتهاء بتجسيد هذه الخطوات من خلال نصوص دستورية يجري الإعداد لها حالياً، وانتخابات لاحقة يجري التمهيد لها بالتوافق مع تلك النصوص.

والانتخابات بالنسبة للفريق السيسي، وفق ذلك، لن تكون انتخابات رئاسية، إلا في الشكل فقط، لكنها في الجوهر، ستكون إجراء مكملاً، هدفه تحصين التفويض الشعبي الذي حصل عليه، بخطوة دستورية تؤكد أنّ تحركه، وتحرك الجيش من خلفه، لم يكن انقلاباً على الشرعية، بل تصحيحاً لمسارها، وأنّ الانتخابات ستكون محطته الأخيرة، واستفتاء على ما قام به من خطوات، ورد حازم على خصومه الذين يتهمونه باغتصاب السلطة، أو الاستئثار بها.

المعضلة الوحيدة التي يواجهها السيسي في الانتخابات، إن هو خاضها، هي، أنه لا يملك خيار الخسارة. فالخسارة بالنسبة له تعني أنّ الشعبية التي صنعها منذ 30 يونيو الماضي، وحتى الآن هي شعبية مصطنعة، وأنّ كل الخطوات التي اتخذها على أساس هذه الشعبية ليست قانونية وليست دستورية، وهو أمر لا يدفع ثمنه الفريق السيسي وحده بل قد يمتد إثر ذلك، للمؤسسة العسكرية نفسها. فضلاً عمّا يعنيه من تأثير على كامل المشهد السياسي في مصر.

في المقابل، فإنّ الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة، ستكون بمثابة اختبار للمعارضة، حتى لو قاطعتها فهي إن غامرت بدخولها، لا تملك حالها حال مؤيدي السيسي، إلا خيار الفوز، لإن الفوز، هو الذي يعطيها فرصة الاستمرار في موقفها وفي معارضتها لنتائج ثورة 30 يونيو، والاستمرار في التشكيك في نتائجها وبرموزها. أمّا في حال مقاطعة الانتخابات فإنها لن تكون مؤثرة على مسارها وفي شرعيتها. فالدلائل والمؤشرات تقول إنها ستكون مقاطعة هزيلة وضعيفة كضعف المظاهرات والاحتجاجات التي تنظمها حالياً.

الخيارات المتاحة أمام المصريين في ظل تردد أو رفض السيسي خوض الانتخابات محدودة، فهم أمام مخاطر ولادة قيصرية صعبة لديمقراطية ضعيفة، ليس لها القدرة على مواجهة معارضة مستفزَّة، ومستفِزة في آن معاً.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث