عن الله والإنسان وجناح البعوضة (2)

عن الله والإنسان وجناح البعوضة (2)

محمد سناجلة

أثارت مقالتي الأخيرة عن“الله والانسان وجناح البعوضة”ردود فعل عديدة ومتناقضة، وقد وردتني رسائل كثيرة تحاول الإجابة عن الاسئلة الوجودية التي طرحتها، وفي الحقيقة فإن هذه الأسئلة قديمة قدم الإنسان نفسه وقد تم طرحها بصيغ متعدة، وما زالت مشرعة على حرف السؤال حتى الآن، ولم تجد إجابة شافية وافية بعد.. سأؤجل ما أعتقد أنه قد يشكل إجابة من طرفي، وسأعرض –كما وعدت- أهم أراء وإجابات القراء التي وردتني..

وهنا أقدم لكم إجابة الشاعر والمثقف فوزي باكير أنشرها كما وردتني دون تغيير أو تحرير…

فوزي باكير:

“تحيّاتي أستاذ محمّد،

لفتتني مقالتُك التي تطرح فيها تساؤلاتٍ وجوديّة مهمّة، مُقدِّمًا إيّاها من خلال بُنيةٍ علميّة.

سأقف عند هذه الأسئلة قليلًا:

“لماذا كل هذا الاهتمام بالإنسان من قبل الله سبحانه وتعالى إذا كانت الدنيا وما فيها لا تساوي عند الله جناح بعوضة؟

لماذا كل هؤلاء الرسل والأنبياء والكتب المقدسة والجنة والنار والعذاب والحساب ويوم القيامة والملائكة والجان الخ إذا كان هذا الإنسان مجرد نقطة في محيط كبير؟

لماذا كل هذه الأهمية التي أعطاها الخالق لهذا الكائن البائس المسمى إنسان؟ فأرسل له رسلا واأنبياء وكتب سماوية وأغراه بالجنة وتوعده بالنار؟”.

هذه أسئلة منطقيّة ومشروعة، ويطرحها بشكلٍ أو بآخر اللادينيون أيضًا، لكن ربّما بصياغةٍ أخرى، ومنطقيّة أيضًا، وهي: طالما أنّ الله الخالق لكلّ هذا الكون بكلّ تعقيداته واتّساعه، هل يُعقَل أن يُحاسب الإنسان على أمور تافهة وصغيرة؟ “هل هذا الخالق الكامل الكُلّي المُدرك لكلّ شيء، يضع عقله في عقل الإنسان الذي لا يساوي شيئًا؟”.

وهنا سنقف عند “الله” نفسه، ومفهوم “الجنّة والنّار”.

1. مفهوم الله كُلّي شموليّ ومُتعدِّد وواحد في آن، فهو كلّ شيء، وفي كلّ شيء، لكن السّؤال: هل كان سيتحقّق لهُ هذا التفرُّد وهذه الوحدانيّة لولا وجود نقيضه، أي نحن؟ لأنّه أمام مَن كان سيحقّق هذا التفرّد وهذه الوحدانيّة؟

ووفقًا للتصوّف وتصوّراته، فهم يجدون أنّ الإنسانَ مؤنسٌ لله، فالله يُحبّ عباده، وفي هذا علاقةٌ مُتبادلةٌ بينه وبينهم، والأُنسُ والأُلفةُ والمودّة من الأمور التي تحتويها المحبّة، فقد يكون الله يريدنا مؤنسينَ له، كما أنّنا، كما أسلفت، نُحقِّق له وحدانيّته وتفرّده.

2. والكتبُ السّماويّة والرّسل والأنبياء، فهم بشكلٍ أساسيٍّ، برأيي، عبارة عن مجموعة من النّظم الأخلاقيّة والاجتماعيّة التي تسعى لتكوين مجتمعات مُمنهجة وسليمة، طبعًا لنأخذ بعين الاعتبار أنّ “اليهود” و”المسيحيين”، لم يزعموا أنّ “التّوراة” و”الإنجيل” كتابان سماويّان، ومفهوم أنّهما “كتابان مُحرّفان”، مفهوم مغلوط، فهما تعاليم كتبها بشرٌ، التّوراة كتبه (عزرا الكاتب) 500 ق. م، أمّا الإنجيل فهي قصص، حكايات، قالها الحواريّون..

ولعلّنا سنجد تقاطعات كثيرة بين هذه الكتب، بما فيها القرآن الكريم، والأساطير القديمة، مثلًا، قصّة النبيّ نوح، موجودة أيضًا في سبعةِ ألواح من ألواح ملحمة جلجامش.. ومن هُنا، أعتقد أنّ “الجنّة والنّار”، هما مفهومان رمزيّان وليسا حرفيّين تمامًا.

أتمنّى أن أكون قدّمت شيئا في ملاحظاتيَ السّريعة هذه، وشكرًا لاتّساع صدرك عزيزي”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث