وباء جنبلاط

وباء جنبلاط

يوسف ضمرة

ابتدع وليد جنبلاط فكرة”التكويعة”، أو ربما اللبنانيون هم الذين ابتكروا هذا التوصيف. المهم أن”التكويعة” أصبحت تعني ارتداد جنبلاط عن مواقفه السابقة حتى لو كانت نارية. كان يقال لنا إن وليد جنبلاط يمتاز بهوائياته اللاقطة” أنتينات” التي تؤمّن له مقدرة كبيرة على رؤية ما سيكون سياسيا في لبنان وفي المنطقة. واكتشفنا لاحقا أن هوائيات جنبلاط كانت مجرد هلوسات شخصية أو رغبات ربما، وربما كانت بإيحاءات خارجية مدفوعة الثمن كما يقول العارفون.

المشكلة الآن لم تعد محصورة في وليد جنبلاط وحده في العالم العربي. فتكويعته أصبحت إحدى سمات السياسة والسياسيين العرب أينما وجدوا.

صار من السهل على أي سياسي أن يبشرنا أو ينذرنا بصفته كليّ المعرفة ومطلعا على خفايا الأمور، ثم يكتشف هو نفسه قبل غيره أنه كان مخطئا. ولو توقفت الحال هنا لقلنا إنه خطأ سياسي ما، ولا ضير في ذلك فالبشر خطاؤون، وأكثر الخطائين هم السياسيون، وخصوصا العرب منهم.

المشكلة أن الواحد من هؤلاء يقدم لنا مرافعة بائسة بين تكويعة وأخرى، ويريد أن يقنعنا أنه نزيه وشفاف ويقدم كشف حساب ويبرر ما حصل. وغالبا ما يستند هؤلاء إلى أخطاء في تفسير مواقفهم، وكأن البشر جهلة ينتظرون من يفرق لهم بين الألف والعصا في السياسة. فأبو مرزوق مثلا يريد أن يقنع المشاهدين والمستمعين أن خالد مشعل حمل راية الانتداب الفرنسي” الثورة يعني” بالخطأ.. ياه! يا له من سياسي بارع وحكيم ذاك الذي يلوح براية لا يعرفها ولا يدرك ألوانها وما تمثله.

والسيسي تذكر اليوم أن هنالك زعيما مصريا عربيا تاريخيا اسمه جمال عبد الناصر، وأن هذا الزعيم قدم لمصر إنجازات لم يقدمها أحد سواه أو مثله. وحمدين صباحي ـ مثل الفنان خالد يوسف ـ يكتشف متأخرا بالطبع كالآخرين أن قطع العلاقات مع سوريا كان خطأ، وأن سوريا تتعرض لعدوان خارجي، وأن أمنها من أمن مصر، والقائمة تطول!

أنا أفهم أن السياسيين بارعون في المكر والكذب والخبث، ولكني لا أحب لأحد منهم أن يظل يعتبر نفسه ملك الوعي والإدراك والخديعة. فقد تطورت وسائل الاتصال وسبل الحصول على المعلومات كما لم تكن من قبل، وصار في استطاعة أي هاوٍ أن يعرف ما حدث وبالتفاصيل في هذه القضية أو تلك. فارحمونا من”تكويعاتكم” الجنبلاطية التي أصبحنا نعرف ما وراءها من تطلعات وأهداف لا تمت لخير الناس بصِلة!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث