الدرس المقلوب من وعد بلفور..!

الدرس المقلوب من وعد بلفور..!
المصدر: نظير مجلي

ستة وتسعون عاما مضت، منذ أن قـطع وزير الخارجية البريطاني، آرثور جيمس بلفور، وعده لقادة الحركة الصهيونية وعرف باسمه “وعد بلفور”، وكان حجر الأساس لإقامة الدولة اليهودية فيما بعد، ونحن العرب نتعلم دروس هذا الوعد بالمقلوب.

في حينه، كانت بريطانيا امبراطورية تسيطر على نصف العالم، وعندما وعدت اليهود بوطن قومي، أي دولة في فلسطين، كانت قد توصلت إلى اتفاق سري مع فرنسا بمعرفة روسيا القيصرية، على تقسيم العالم العربي كله لدويلات. ونفذت التقسيم فيما عرف باتفاقية سايس – بيكو (على اسم معدي الاتفاقية، الدبلوماسيين الفرنسي، فرنسوا جورج بيكو، ونظيره البريطاني مارك سايس، في سنة 1916، والتي كشف عن مضمونها في موسكو بعد الثورة البلشفية سنة 1919). وكان غالبية الزعماء العرب أصدقاء لبريطانيا يومها، لكن بلفور وصحبه لم يثقوا بالعرب وأرادوا لأنفسهم “نواة دولة غربية”، تكون لهم ولمخططاتهم ولمصالحهم “جبهة متقدمة”. ونجح المخطط.

في اسرائيل يحتفلون بهذا اليوم (الثاني من نوفمبر) في كل سنة بوصفه “انتصارا للصهيونية”، مع العلم أن ذلك الوعد قصد بالأساس أن يجعل الدولة اليهودية لقمة مدفع لحروبهم. ولعل حرب السويس سنة 1956، التي تصادف ذكراها أيضا هذه الأيام (من 29 تشرين الأول وحتى 7 تشرين الثاني)، والتي تبوأت اسرائيل فيها مركز الصدارة وفقدت فيها 177 قتيلا، كانت بامتياز حربا لخدمة مصالح بريطانيا وفرنسا اللتين أرادتا ضرب وإسقاط النظام المصري الجديد بقيادة جمال عبد الناصر، لأنه تجرأ وقام بتأميم قناة السويس.

وفي عالمنا العربي، يتم احياء هذه الذكرى على أنها “فعل بريطاني معاد للعرب”، نهاجم خلالها إسرائيل وبريطانيا والاستعمار ونرى فيها مؤامرة أجنبية، ونسب ونشتم الجميع.. وننسى ما يتعلق منها فينا. ننسى أننا كعرب كنا شركاء فيها، ولولا الدور العربي لما تحققت هذه الاتفاقية. بريطانيا كانت يومها “دولة صديقة”، نتعاطى معها بالعواطف وليس بالمصالح، ونتعامل معها من خلال أجندات “كرم الضيف” و”أخلاقيات البادية” وليس من خلال حسابات الربح والخسارة، والعقل والحكمة. والأنكى من ذلك أنه رغم مرور 96 سنة، وحدوث انقلابات جوهرية في السياسة الدولية وعلاقات المصالح بين الدول ورغم الثورات المتلاحقة في العلوم والتكنولوجيا ونشوء أجيال جديدة من شباب ثورة المعلومات وحتى ثورة الفيس بوك، رغم كل ذلك لم نتعلم الدرس كما يجب، والكثيرون منا تعلموا الدرس ولكن بالمقلوب.

فما زلنا، نحن العرب ننتقد أخطاء الآخرين، ونتجاهل أخطاءنا الفاحشة. فإذا كان بلفور وعد اليهود بدولة بلغت مساحتها في سنة 1947 (حسب قرار تقسيم فلسطين)، حوالي 52% من مساحة فلسطين، فإن اسرائيل تسيطر اليوم على 100% من مساحة فلسطين، والعرب يرجونها الاكتفاء بمساحة 78% من فلسطين وهي تتمنع. وإذا كنا يومها نهدد بحرب طاحنة ضد اسرائيل، ونهنئ السمك في البحر سلفا على أننا سنقذف اليه اليهود بعد حين، فإننا ما زلنا نسمع من يردد تلك الشعارات القديمة ويهاجم من يفاوض اسرائيل على انهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المتواضعة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية (على مساحة 22% من فلسطين) ويعتبر هذا التفاوض خيانة. وإذا كانت سايس بيكو قد قسمت العالم العربي إلى حوالي عشرين دولة وقزمت فلسطين، فإن العرب يواجهون اليوم مخطط تقسيمهم إلى 30 دولة، ونحن الفلسطينيين نتبرع بتقسيم فلسطين المقزمة إلى “فلسطينين”، دولة في الضفة الغربية بقيادة منظمة التحرير ودولة في قطاع غزة بقيادة حماس.

إننا نستحق بعد 96 عاما أن نذكر وعد بلفور حتى نغير من تصرفاتنا التي قادت اليه. لكننا نتصرف اليوم كمن لا يكتفي بهذا الوعد وما سبقه من سايس وبيكو. نريد المزيد من التقسيم. وبدلا من انتقادنا الذاتي نفتش عن علاقة نوجه لها الاتهام على أخطائنا، إن لم نقل فواحشنا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث