الشعب يناصر الفساد..!

الشعب يناصر الفساد..!
المصدر: نظير مجلي

هناك 11 رئيسَ بلدية في اسرائيل يقبعون في قفص الاتهام في المحاكم، لاتهامهم بتلقي الرشاوى وغيرها من قضايا الفساد. ثمانية منهم استقالوا من مناصبهم، وبعضهم اعتزلوا السياسة “حتى انتهاء اجراءات القضاء”، ولكن ثلاثة منهم خاضوا معركة الانتخابات التي جرت في يوم الثلاثاء الماضي. فتوجهت “حركة طهارة الحكم” إلى محكمة العدل العليا في القدس مشتكية، فقررت المحكمة إقالتهم بالقوة من مناصبهم قبل أسابيع من الانتخابات. بيد أن الثلاثة لم يرتدعوا من قرار المحكمة، وخاضوا الانتخابات وفازوا فيها بأعلى نسبة من الأصوات.

حكاية مثيرة في عالم السياسة والديمقراطية. مثيرة للضحك والسخرية لدى البعض، ولكنها مثيرة للغضب أيضا. وفي الوقت نفسه، أدخلت هذه القضية سلطتي القضاء والتشريع في مأزق لا تفلحان بعد في الخروج منه، خصوصا وأن هناك عددا كبيرا من السياسيين، المسؤولين عن تشريع القوانين، يقبعون هم أيضا أمام القضاء بتهم فساد وبعضهم حكم عليهم بالسجن وأمضوا فترة محترمة من عمرهم وراء القضبان ومع ذلك عادوا إلى السياسة يطلبون ثقة الجمهور وفازوا هم أيضا.

من أبرز هؤلاء، أريه درعي الذي انتخب عضوا في الكنيست (البرلمان الاسرائيلي) ويترأس اليوم حزب “شاس” المعارض، وهو حزب اليهود الشرقيين المتدينين. وشلومو بن عزري، وهو وزير سابق في الحكومة وينتمي إلى الحزب نفسه وقد أمضى في السجن ثلاث سنوات ويطلب اليوم استعادة مكانته في الحزب. وهناك أفيغدور لبرمان، الذي كان وزيرا للخارجية، وقدمت ضده لائحة اتهام في قضايا فساد وكسب غير مشروع. لكن هذا لم يمنعه من خوض الانتخابات البرلمانية الأخيرة في المرتبة الثانية بعد رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وفاز طبعا بالعضوية وهو يرئس حزب “اسرائيل بيتنا”. وبسبب لائحة الاتهام ضده لم يعين وزيرا في الحكومة، ولكنه اتفق مع نتنياهو على إبقاء منصب وزير الخارجية شاغرا إلى حين تبت المحكمة بشأنه. وهو يتولى اليوم منصب رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، وهو أهم منصب برلماني بعد منصب رئيس البرلمان. فيما يعتبر منصب وزير الخارجية رهنا بيدي نتنياهو نفسه. ويفترض ان تبت المحكمة بالأمر في السادس من الشهر القادم.

وكما هو معروف فإن رئيس الحكومة الاسرائيلية السابق، ايهود أولمرت، يحاكم هو الآخر بتهمة تلقي رشاوى. ورئيس الدولة موشه قصاب، يقبع خلف قضبان السجن بعد ادانته بتهمة اعتداء جنسي على موظفته. وقبل أسابيع خرج من السجن وزير المالية الأسبق، أبرهام هيرشنزون.

الاسرائيليون يصابون بالاحباط من كثرة القادة المفسودين، ولكنهم في الوقت نفسه يعتزون بأن هناك صحافة تحقق وتكشف فساد القادة وهناك شرطة تحقق معهم بجرأة وهناك محاكم لا تردد في إرسالهم إلى السجن. بيد أنهم اليوم يتحدثون عن كارثة في السياسة الاسرائيلية، تتعلق بالجمهور وليس فقط بالسياسة أو الساسة. فالجمهور يعيد انتخاب رؤساء بلديات ووزراء تلقوا الرشوة، وعمليا يناصر الفساد ويضرب عرض الحائط بالقانون وبالأخلاق ويتخلى عن الصحافة والشرطة والقضاة الذين يحاربون الفساد ويتركهم في الساحة لوحدهم. وهذا يحير هؤلاء حيرة شديدة. وإذا كان محظورا على القضاة وضباط الشرطة الكلام في الموضوع، فإن الصحافة تكتب وتصرخ وتحتج بصوت مدو. وتحذر من أن اسرائيل تتدهور نحو تقاليد العالم الثالث وأنه في حال استمرار هذا التوجه من الجمهور فإن المافيات ستسيطر على مقاليد الحكم.

ومن الطريف أنه عندما سئلت إحدى النساء، اللواتي ظهرن سوية مع أحد رؤساء البلديات الفاسدين: ألا يضايقك أنك منحت صوتك لرجل فاسد.

أجابت: “يضايقني جدا. ولكنني منحته صوتي حسب منطق معين أرجو أن تحترموه ولا تستهينوا به”.

وما هو هذا المنطق، سأل. فاجابت: “هذا الرجل سرق وانتهى أمره. فلماذا أنتخب رئيسا جديدا يبدأ في تعلم السرقة ويسرق ما تبقى في البلدية من أموال؟”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث