نعمة الإبداع وبريق الصحافة

نعمة الإبداع وبريق الصحافة

نعمة الإبداع وبريق الصحافة

بقلم تاج الدين عبد الحق

 

 

يقال إن كل صحفي هو مشروع أديب إلى أن يثبت العكس، وأن كل أديب هو صحفي إلى أن يشتهر أو يعتزل.

 

 كثير من الصحفيين الذين طرقوا باب الأدب، طرقوه، إما لأنهم اعتبروه نوعاً من التقاعد الذي يبقيهم على صلة بعالم أحبوه وعاشوا حياتهم من أجله، وإما لأنهم اعتبروا أن الأدب هو ما ينفع الناس وما يمكث في الأرض، وأن الصحافة هي الزبد الذي يذهب جفاء ضمن حتمية تعاقب الأجيال.

 

في تاريخ الصحافة كانت العلاقة بين الصحافة والأدب علاقة ملتبسة دائماً. فالعديد من الأدباء الذين عملوا في الصحافة جاءوها إما مضطرين، باعتبار أن الأدب لا يطعم خبزاً، أو لأنها كانت القناة الوحيدة أمامهم للتواصل مع جمهورهم وقرائهم. وظل بعض الأدباء الكبار يتوارون خجلاً من عملهم في الصحافة ويتبرأون من الانتماء لها ويعتبرونها في أفضل الأحوال وعاءً لاحتضان إنتاجهم الإبداعي ووسيلة لإيصاله للناس.

 

وظل الذين جاءوا للصحافة من باب الأدب حذرين في تعاملهم مع المهنة، وظلت بينهم وبينها مسافة حافظوا عليها طوال عملهم. وحتى الذين تخلوا عن الأدب منهم كرمى لعين الصحافة، أو طمعاً ببريقها، فإنهم تمترسوا وراء باب واحد فيها، هو باب الثقافة والأدب ورفضوا المشاركة في أية أعمال صحفية تبعدهم عن مجال اختصاصهم، أو تنال من صورتهم الأدبية.

 

 وحتى الذين جرفهم تيار المهنة فإنهم سرعان ما عادوا إلى ما بدأوا به، باستثناء قلة قليلة، مشكوك أصلاً في موهبتها وتجربتها، وهي فئة أدركتها النعمة المادية، أو الهالة المعنوية، وأنستها ما كانت فيه، وصرفتها عن تطوير الموهبة، وصقلها.

 

أما الصحفيون الذين أدركتهم حرفة الأدب فقد ظن البعض منهم أن الأدب هو الوجه الآخر للصحافة ما دامت الأدوات المستخدمة فيهما هي الكتابة، “ومن باب أن كله عند العرب صابون” فقد اختلط نابل الأدب بحابل الصحافة، ووجدنا – خاصة في الخمسينات والستينات- تداخلاً عجيباً بين عالم الصحافة وعالم الأدب، ووجدنا كثيراً من صحفيي مصر الكبار الذين ارتبطت شهرتهم وحياتهم بالصحافة يتسابقون في دفع أعمال أدبية ومسرحية وسينمائية، أعطت لشهرتهم الصحفية عمقا إضافيا في ساحة الأدب، ووفرت لهم إمكانية تحصين مكانتهم الصحفية وتنقيتها، عند الضرورة، من تهم الارتزاق أو الارتهان.

 

وبين هؤلا وهؤلاء كانت هناك فئة قليلة في مصر ولبنان خصوصا، هي من أعطت ما لله لله وما لقيصر لقيصر. نذكر من هؤلاء الروائي العالمي نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف ادريس وإحسان عبد القدوس وغيرهم من كبار الأدباء الذين انتهى بهم المطاف موظفين في بلاط صاحبة الجلالة. فقد عملوا في الصحافة وهم يعرفون أنها ليست صنعتهم، وليست من طبيعتهم، وظلت علاقتهم بها علاقة وظيفية، وقلما كتبوا في الشؤون اليومية، أو كانت لهم أراء سياسية مباشرة. وظل تعبيرهم عن تلك الآراء من خلال إنتاجهم الأدبي، أومن خلال المقابلات التي أجريت معهم. بل إن كثيراً من الناس لم يعرفوا عن علاقة هؤلاء الكتاب بالصحافة، وأن بعضهم كان له مكتب، ومرتب ثابت من هذه الصحيفة أو تلك.

 

أما بين الصحفيين، الذين ارتبطوا بالمهنة، وحافظوا عليها، ولم يقبلوا معها شريكا، فإن الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل هو أشهر مثال، وأصدق تعبير عن هؤلاء. فرغم لغته القوية وأسلوبه السردي الذي يطاول فيه لغة الأدب وصوره، فقد ظل حتى وهو يدخل العقد العاشر من عمره، محافظا على مكانه، ومكانته، كصحفي متابع للأحداث كما لو كان مخبرا في بداية حياته الصحفية ومحللا كما لو كان شريكا في القرار السياسي. في عيد ميلاده التسعين نذكر أنه كان صحفياً غير قابل للقسمة، ففي حياته الحافلة، كانت الصحافة ملعبه الأول، وظلت عشقه الأخير.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث