رجال الهيئة بين الستر والحصانة

رجال الهيئة بين الستر والحصانة

رجال الهيئة بين الستر والحصانة

تاج الدين عبد الحق 

شطب الشيخ صالح الفوزان العضو البارز في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السعودية،  دور الصحافة، واعتبره بعضا من الإثم، ووسوسة شيطان، لأنه على حد قوله ( يخالف مفهوم الستر في الإسلام، ويتدخل في شؤون الغير!!!، ولا يحترم الخصوصيات!!!). مشيرا إلى  أن( متابعة أخطاء رجال الهيئة والمحاسبة عليها  أو العفو عنها،  ليس من اختصاص الصحافيين وإنما هناك جهات رسمية تتابع وتنظر في حل المشاكل)

 

 ووفق هذا المنطق ،وبناء على ما ورد في كلام الشيخ الفوزان أو فتواه،  فإن المفترض في الصحافة أن تتستر على العيوب، وأن تسكت عن الأخطاء، وتمتنع عن التنبيه لها، والتحذير منها. لتصبح  مهمة الصحافة  بعد ذلك، قاصرة على التلميع والإشادة، ومدح الصالح وغض النظر عن الطالح .

 

باختصار الشيخ الفوزان يطالب بالحصانة  من الانتقاد الإعلامي، لكل مسؤول حتى لو كان، مقصرا ومتقاعسا،  ولكل  موظف حتى لو كان مرتشيا  أو فاسدا.

 

وفي الوقت الذي يطلب فيه الشيخ الفوزان من الصحافة عدم التدخل في أعمال ونشاطات الهيئة،  تتدخل الهيئة،  في أدق تفاصيل حياة الناس وتحسب عليهم أنفاسهم، وتراقب طعامهم وشرابهم ولبسهم ورواحهم ومجيئهم، متجاوزين في أحيان كثيرة دور مؤسسات الدولة، ومنتهكين الخصوصيات  الفردية، والحرمات الشخصية.

 

هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-  بالأنباء التي تتواتر عن تصرفات أفرادها وبالممارسات التي يقومون بها -، تشوه وجه الدولة السعودية وتعرقل برامج التحديث التي تقوم بها في مختلف مناحي الحياة.، كما أنها تسهم في تنازع الاختصاصات بين مؤسسات الدولة وتخلق حالة من الارتباك في عمل أجهزتها. 

 

ولعل موقف  الهيئة من قيادة المرأة السعودية للسيارة، هو أوضح الأمثلة على ذلك التشويه،  وأكثرها إثارة للجدل، وأفضل تجسيد للتنازع بين الاختصاصات و التداخل في الأدوار. فالمرأة التي نالت حظا وافرا من التعليم، وتتبوأ مناصب قيادية في كثير من الأماكن والمرافق الخدمية، تجد نفسها في حالة دفاع عن النفس في قضية ليس لها أي سند  ديني صحيح، ولا مبرر  أخلاقيا مقبول،  هذا بخلاف ما تعكسه هذه القضية من  تمييز وانتقاص لدور المرأة ومكانتها.

 

ما تواجهه الهيئة اليوم،  من انتقادات،   وما يتندر به الناس سواء  في الخارج، أومن قبل السعوديين على اختلاف مستوياتهم واهتماماتهم، لا يجب النظر إليه كحراك اجتماعي ضيق، بل تعبير عن وضع سياسي ضاغط يطالب بالتغيير. ويسعى للتطوير.

 

 وهذه المطالبة، لم تعد قاصرة كما في الماضي القريب، على من كان يطلق عليهم الليبراليون،  بل امتدت لشرائح مختلفة من المجتمع بمن فيهم رجال الدين المستنيرين الذين يفهمون الدين بأنه السماحة وحسن المعاملة، لا نصوصا مختلقة،  أو تفسيرات ضيقة،  ما أنزل الله بها من سلطان.

 

 واستئثار الهيئة بالجانب الأكبر من الانتقادات لا يعود إلى كونها العقبة الوحيدة في وجه التغيير المنشود،  بل لأن الأخطاء التي ترتكب باسمها،  وتحت مظلتها صارخة للدرجة التي لاتثير فقط،  حفيظة  الناس  العاديين الذي يتأثرون بتصرفات الهيئة،  ويقعون ضحية لممارساتها الخاطئة، بل  حفيظة بعض الجهات الرسمية التي باتت غير قادرة على ترويض أفراد الهيئة، والسيطرة على تصرفاتهم بعد أن أصبحت تشكل خطرا على سلام المجتمع واستقراره الأمني.

 

لقد واجهت المملكة العربية السعودية في تاريخها تحديات اجتماعية مفصلية، ومنها على سبيل المثال قضية  تعليم المرأة، وتوظيفها، وما كان لها أن تتجاوز تلك التحديات إلا بتلك القرارات التي عكست وقت صدورها  إرادة  سياسية، وجعلت من التغيير اختيارا مجتمعيا غير قابل للنقض حتى من أولئك الذين نصبوا أنفسهم سدنة للفضيلة وحماة للأخلاق، و أتقنوا صناعة التحريم والتحليل،  من خلال تكفير هذا وتنزيه ذاك.  

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث