ديمقراطية التفاهمات

ديمقراطية التفاهمات

ديمقراطية التفاهمات

تاج الدين عبد الحق

 

من الذي ينتخب في بلادنا ؟ سؤال عن على بالي،  وأنا أتابع بعض التكهنات حول احتمال أن يرشح الرئيس السوري  بشارالأسد  نفسه لفترة رئاسية ثالثة بعد انتهاء ولايته الحالية منتصف العام المقبل.

 

 فرغم كل ما يجري، وما حدث، ورغم كل ما قيل وما يقال عن ضرورة تخليه عن السلطة وضرورة استبعاده من المشهد، لا يزال هناك من يجرؤ على التكهن، والتوقع  بأنه سيظل  رئيسا، ولم يكن النقاش يدور بهذا الشأن باعتباره الاحتمال المستحيل كما يفترض بل باعتباره احتمالا واقعيا، بل لعله الاحتمال الأكثر معقولية.

 

خلص الجدل حول ذلك،  إلى أن القرار في هذا الشأن يتوقف على توافق القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في سوريا ومدى قوتها على الأرض وتأثيرها في معادلة التوازن القائمة بين النظام والمعارضة. يعني لا انتخابات ولا من ينتخبون، ولا عزاء لمن مات على أمل أن يعيش أولاده في بلد يختار حكامه وفي بلد يحدد مصيره بإرادة شعبه ورأيهم.

وبالتداعي اكتشفت أن هذا ليس حال سوريا فقط بل هو حال معظم دولنا العربية.  و خذ عندك.

 

في مصر أم الدنيا وكبيرة العائلة العربية،  قيل أيام نظام الرئيس حسني مبارك،  في تبرير التوريث،  والدفاع عنه، إن اختيار  الرئيس في مصر يجب أن  تسانده تفاهمات إقليمية ودولية، وإن مثل هذه التفاهمات لابد أن تسبق أية ترشيحات وقبل أية انتخابات. وبناء على ذلك لم تؤخذ حالة الحراك الشعبي مأخذ الجد، باعتبار أن التغيير بضاعة مستوردة وليست صناعة محلية.

 

 وفي مصر أيضا وقبل أن يفوز الإخوان في  انتخابات الرئاسة قيل إن ذلك الفوز سبقته  تأكيدات بوجود تفاهمات مع الأمريكان وأنه لولا هذه التفاهمات ما كان لهم أن يصلوا إلى سدة الرئاسة. وبغض النظر عن صحة أو دقة ماقيل في هذا المجال فإنه يعكس ولا شك مكانة الانتخابات ومكانة الناخب في تقرير مصير الوطن.

 

في العراق كان هناك شيء مماثل، فقبل الانتخابات التشريعية،  كانت القوائم  الحزبية، تشكل في عواصم الاقليم وبعد تفاهمات في طهران مرة والرياض مرة،  وواشنطن  مرات . وكان رضى الجوار أهم عند القيادات العراقية من رضى الجمهور فاستمر القتل والموت في الداخل، فيما ظل التعويل الدائم على  الفوز بالسلطة أو الاحتفاظ بها رهنا بدعم الخارج . 

 

في اليمن ما كان للرئيس علي عبد الله صالح أن يرحل إلا بعد تفاهمات دول الإقليم، وكأن آلاف الذين قتلوا في الميادين والملايين التي عبأت الساحات  لم يكن  لها تأثير يذكر  في تقرير من يرحل ومن يبقى.

 

في الجزائر حدثت الانتخابات،  لكنها لم تكن على مقاس الخارج،  فألغيت ليبدأ مسلسل دموي طاولت خسائره البشرية  خسائر حرب التحرير.

 

ولبنان،  الذي ظننا أنه واحة الديمقراطية في العالم العربي لم يخرج هو الآخر عن القاعدة، فانتخاب الرئيس، وتشكيل الحكومة، وإجراء الانتخابات التشريعية،   تحتاج كلها،  إلى توافق لا بين اللبنانيين فحسب بل بين القوى الخارجية التي تعيث بلبنان وهي قوى تتزايد باستمرار. فبعد أن كانت طبخة الرئاسة أوتشكيل الحكومة أو إجراء الانتخابات تحتاج إلى المباركة السورية، توسعت فدخل القاموس السياسي اللبناني معادلة السين سين أي سوريا والسعودية ثم ما لبثت أن توسعت فدخلت على الخط إيران فضلا عن الشريك الأمريكي الدائم والروسي الطاريء.

 

لن نتمادى في تقديم الأمثلة للتأكيد بأن الديمقراطية والانتخابات في عالمنا العربي ليست من صنعنا بل هي بضاعة مستوردة، وبمواصفات خاصة تختلف عن مواصفات الديمقراطية الحقيقية،. فهي ديمقراطية على مقاسنا وبمعايير مختلفة. تماما كحال مواصفات  ومعايير كل البضائع المستوردة، التي نكتشف دائما أنها مختلفة، عن مواصفات البضائع المماثلة التي تباع في الخارج.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث