إسرائيل تهدد حكومة الوحدة الفلسطينية قبل أن تقوم

إسرائيل تهدد حكومة الوحدة الفلسطينية قبل أن تقوم
المصدر: القدس المحتلة - (خاص) من ابتهاج زبيدات

في الوقت الذي تبذل فيه جهودا فلسطينية حثيثة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، بديلة للحكومتين المستقيلتين الشرعية برئاسة د. وحيد الحمد الله في رام الله والانقلابية برئاسة اسماعيل هنية في قطاع غزة، تضع حكومة إسرائيل كل قوتها في سبيل منع قيام هذه الحكومة بواسطة التهديد والوعيد، وترى مخابراتها أن حكومة كهذه – حتى لو قامت – فمن المستحيل أن تعيش وستفشل حتما، ويرى خبراء إسرائيليون أن “هناك ظروفا موضوعية تجعل من غير الممكن أن تعمل حكومة وحدة بلا أي تدخل من إسرائيل”.

ويبدو من الردود الإسرائيلية أن هناك تشكيكا كبيرا في أن تقوم هذه الحكومة، ولكن التهديدات تأتي لكي لا تقوم. ولكن في حال فشلت محاولات إسرائيل ونجح القادة الفلسطينيون في تحقيق حلم شعبهم التوصل إلى حكومة كهذه، فإن إسرائيل ستتدخل لضرب هذه الحكومة مباشرة أو عن طريق تجفيف مواردها في الغرب.

وكانت الهجمة على اتفاق المصالحة قد انطلقت بشكل منظم من جميع الوزراء في الحكومة الإسرائيلية، حال إعلانها. وجنبا إلى جنب، كشف رئيس أركان الجيش، بيني غانتس عن “تدريبات تجريها قواته منذ عدة أيام (أي منذ الإعلان عن سفر وفد فلسطيني إلى قطاع غزة للبحث في تطبيق اتفاق المصالحة القديم) على سيناريوهات انفجار الأوضاع في الضفة الغربية (وهي تدريبات لم يسبق لها مثيل منذ وفاة الرئيس الراحل ياسر عرفات)”، ما يعني أنه يهدد الفلسطينيين بشكل مباشر. وفي الوقت نفسه كان غانتس قد أرسل طائراته لاغتيال أحد القادة الميدانيين شمالي القطاع. فرد الفلسطينيون بقصف بالقذائف وردت إسرائيل بقصف أكثر دقة وإيلاما”.

وعندما بدا أن الجهود للمصالحة هذه المرة جادة، بدأت الحكومة الإسرائيلية في أبحاث ماراثونية لم تنته بعد حول سبل مواجهة هذا “الخطر” الكامن في إنهاء الانقسام الفلسطيني والعودة إلى مسار جديد يرمي لتحقيق وحدة الصف. ووجه المندوب الدائم في الأمم المتحدة، رون فروشوار، تهديدا صريحا: “إذا قذفونا بالصواريخ من قطاع غزة فسنرى حكومة رام الله مسؤولة”. ويعني بذلك التهديد باجتياح عسكري للضفة الغربية، على غرار العدوان الذي شنه ارئيل شارون في سنة 2002 ولم يتوقف سوى بعد وفاة عرفات.

ولكن قادة المخابرات الإسرائيلية يلجمون حكومتهم لأنهم لا يصدقون أن هناك مصالحة حقيقية ستقوم بين حماس وفتح. وحسب رواية وزيرين شاركا في جلسة المجلس الوزاري المصغر في الحكومة الإسرائيلية، الأحد، فإن رئيس جهاز المخابرات العامة (الشاباك)، مئير كوهن، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان”، أفيف كوخافي، شككا بتطبيق اتفاق المصالحة بين حماس وفتح، وقالا أن هناك احتمالا معينا بأن يتم تشكيل حكومة وحدة تتألف من مهنيين (تكنوقراط) وليس من سياسيين، وتعمل بشكل مؤقت حتى يتم إجراء الانتخابات. إلا أنهما ابلغا الوزراء أن احتمال إجراء انتخابات للرئاسة والبرلمان منخفضة جدا.

في ضوء ذلك نصحا الحكومة بأن تكتفي بعقوبات شكلية للسلطة في هذه المرحلة وانتظار تأثيرها على الجدل الداخلي في فلسطين، وبناء على ذلك اتخاذ القرارات المناسبة. ولكن الحكومة قررت وقف تحويل المستحقات الضريبية للسلطة الفلسطينية ابتداء من الشهر المقبل، ورفض السماح للبنوك الفلسطينية بإيداع أموال في البنوك الإسرائيلية. وهما قرارات صعبان ويلحقان ضررا بالسلطة الفلسطينية، ولكنهما منخفضان بالمقارنة مع ما كانوا يخططونه من إجراءات، علما بأن عددا من الوزراء، خاصة غلعاد اردان ونفتالي بينت، قد طالبوا بتفجير المفاوضات نهائيا، وعدم ترك الباب مفتوحا لاستئنافها مستقبلا. وقال رئيس الائتلاف الحكومي، ياريف ليفين، أن “هذا هو الوقت ليس لفرض عقوبات على الفلسطينيين فقط وإنما للقيام بنشاطات داعمة لإسرائيل وفي مقدمتها ضم المناطق c إلى إسرائيل”.

ورأت الخبيرة الإسرائيلية المقيمة في رام الله، عميرا هيس، أن هناك أسبابا موضوعية أيضا قد تسقط الوحدة الفلسطينية، إذ أن ما مر على الفلسطينيين خلال وجود حكومتين وقانونين وسلطتين أكبر مما يستطيع القادة الحاليون في الطرفين تجاوزه. وأضافت: “في حال تم انتخاب مجلس تشريعي فلسطيني جديد، بعد توقيع المصالحة، سيواجه وجع رأس كبيرا يتمثل في كيفية التعامل مع الورثة الثقيلة التي خلفها البرلمان المشلول: فهناك عشرات القوانين التي سنها منتخبو حماس في المجلس التشريعي في غزة، وهناك مئات الأوامر الرئاسية التي أصدرها محمود عباس في الضفة الغربية، وتم تحويلها إلى قوانين.

ففي الحالتين كان يتم اتخاذ القرارات بسرعة، لعدم وجود معارضة. ولكن بين القوانين التي سنتها غزة هناك قوانين ذات طابع ديني شرعي تخيف الكثيرين، وبين الأوامر التي صدرت عن رام الله، هناك أوامر ذات طابع اقتصادي لبرالي تحرري أغضبت الكثيرين، وسيكون على المجلس التشريعي الجديد اتخاذ قرار قانوني وليس نظريا: فهل يلغي كل تلك القوانين والأوامر، أو يصادق عليها أو يعيد مناقشتها، في ظل ظروف السيطرة الإسرائيلية المعادية؟.

وترى هيس أن حكومة التكنوقراط ستواجه عدة تحديات، منها مسألة كشف ميزانية حكومة غزة الغامضة جدا، مقابل ميزانية رام الله المنشورة والعلنية. وكذلك، ستواجه تحديا آخر يتمثل في إلغاء قرار حكومة حماس فرض الحصول على تأشيرات دخول إلى قطاع غزة ومغادرته، الأمر الذي أثقل على سكان القطاع.

وتشير الكاتبة إلى خطر الاعتقال من قبل إسرائيل، الذي سيواجه النشطاء السياسيين ومؤيدي حماس في الضفة، كما حدث بعد عملية “عامود السحاب” عندما حدث التقارب بين فتح وحماس في خريف 2012، حيث سارع الشاباك إلى اعتقال د. محمود الرمحي، عضو المجلس التشريعي، الذي لا يزال يخضع للاعتقال الإداري حتى اليوم، بينما امتنع الاحتلال عن اعتقال جبريل الرجوب، قبيل الرمحي في محادثات التقارب آنذاك. وهذه مسألة سيتحتم على الأطراف مواجهتها خلال الأسابيع والأشهر القريبة. فإسرائيل ستقدم لهم تلميحا قويا إلى أن تغيير الوضع الراهن بينهم لا يلائمها، وذلك من خلال معاقبة نشطاء حماس بشدة، بينما في المقابل ربما تفرض قيودا مشددة على تحركات بعض نشطاء منظمة التحرير، خارج الضفة، ولكنها لن تسلبهم حريتهم بشكل مطلق.

وهكذا تحاول إسرائيل مجددا دق اسفين بين نشطاء الحركتين. ولكن إذا كان نشطاء حماس سيفقدون حريتهم فان قوتهم ستتعزز لدى الجمهور، وستتعزز بالتالي قوة تنظيمهم، بينما في المقابل سيطرح بقاء نشطاء فتح أحرارا تساؤلات لدى الجمهور حول “قرابتهم من سلطات الاحتلال”! وتتساءل هيس عما إذا كان يمكن إجراء انتخابات حرة وديموقراطية للبرلمان الفلسطيني في ظل التهديد الإسرائيلي، مشيرة إلى قيام إسرائيل بعد انتخابات 2006 باعتقال العديد من منتخبي حماس في الضفة، وطرد نوابها المقدسيين من مدينتهم إلى الضفة.

وتتساءل إسرائيل عما إذا كانت حماس في القدس ستتجرأ على طرح مرشحين عنها للمجلس التشريعي، وتعريضهم إلى خطر الطرد كما حدث لرفاقهم؟ وهل في حال قامت إسرائيل بالخطوة ذاتها واعتقلت نواب حماس، لن تستغل فتح الأمر لصالحها وتواصل تفعيل البرلمان بواسطة “تفويض” من قبل المعتقلين؟.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث