هل ستتحوّل جمهوريات آسيا الوسطى إلى قرم جديدة ؟

هل ستتحوّل جمهوريات آسيا الوسطى إلى قرم جديدة ؟
المصدر: إرم- (خاص) من مدني قصري

في تحليل لها حول مصير جمهوريات آسيا الوسطى في ظل الأحداث الجارية في أوكرانيا، قالت صحيفة لوموند “هل كازاخستان مهددة بغزوٍ روسي وشيك؟” هكذا عنونت صحيفة اصاندي تايمزAssandi Times التي تتخذ من مدينة ألماتي في كازاخستان مقرًا لها.

ففي هذا الوقت الذي تحتفي فيه روسيا بـ “عودة” القرم إلى إقليمها، وفي ما تقع مدنٌ في جنوب شرق أوكرانيا بين أيدي المتمردين الموالين لروسيا، بدأت حالةٌ من القلق والانشغال تعمّ جمهوريات آسيا الوسطى السوفياتية السابقة.

فبعد أوكرانيا، تأوي كازاخستان أكبرَ أقليةٍ روسية في العالم. ثم إنّ الشعب الروسي متواجدٌ أيضًا في باقي بلدان آسيا الوسطى، وهي أوزبكستان، وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان.

وفي الوقت نفسه تحتفظ موسكو بقواعد عسكرية إستراتيجية في هذه المنطقة المجاورة، ما يثير ردود الفعل الساخطة في آسيا الوسطى، هذه المنطقة التي تعيش في حيرةٍ من أمرها بسبب التصور الجيوسياسي الروسي الجديد.

سيناريو الانفصال الأوكراني

كازاخستان على الخصوص، هي التي تتابع بعناية كبيرة ردّة فعل الكرملين إزاء الإنفصاليين الموالين لروسيا في أوكرانيا. ذلك أن النقاط المشتركة ما بين أوكرانيا وكازاخستان نقاطٌ صارخة بالفعل: أقلية روسية هائلة (24% من سكان كازاخستان) تتعرض للتهميش أكثر فأكثر، وحدودٌ طويلة مع روسيا، ومركزٌ إستراتيجي للجهاز العسكري الروسي العابر للأقاليم.

ولتفادي حدوث السيناريو الأوكراني الانفصالي في كازاخستان تُعِدّ”أستانا”عاصمة كازاخستان، في الوقت الحالي، قانونًا تجري بموجبه معاقبة كل مطالبة بالانفصال الإقليمي من قبل المواطنين الكازاخستانيين. “العقوبات بالسجن قد تصل إلى عشر سنوات” يقول أرمان أياغانوف، من مكتب النائب العام في كازاخستان.

قد يبدو هذا القانون مبالغًا فيه، إلا أن ثمة سياقًا خاصًا يبرّر وجوده. ذلك بالفعل أن إرادة “ترحيل” شمال كازاخستان إلى روسيا أمرٌ بات يتردد كثيرًا في روسيا منذ تفكيك الاتحاد السوفيـاتي.

كان الكاتب ألكسندر سولجينيتسين الحائزُ على جائزة نوبل في الآداب،الصوتَ الأبرز في هذا الشأن، في سنوات التسعينات، وفضلا عن ذلك فكان هذا المطلب أحدَ الأسباب التي دفعت رئيس كازاخستان، نور سلطان نظرباييف، إلى إقامة العاصمة الجديدة أستانا في شمال البلاد، حتى يسجل حق كازاخ في هذا الإقليم.

ومع ذلك، ففي شباط 2014، قبل شهرٍواحد من ضمّ شبه جزيرة القرم إلى روسيا، كان رئيس الحزب الليبرالي الديمقراطي فلاديمير جيرينوفسكي الروسي، دعا إلى ربط الجمهوريات الخمس “التي أنشِئت بصورة مصطنعة” في آسيا الوسطى بروسيا، في شكل منطقة اتحادية، مع فيرني Verny كعاصمة لها. وهو ما يعتبر تحديًا كبيرًا،ما دامت فيرني هي الاسم القيصري (أي الذي يعود إلى العهد القيصري) السابق لمدينة ألْمالتي Almaty، أكبر المدن، والمركز الاقتصادي لكازاخستان.

محطة فضائية وقواعد عسكرية

كما تتجه الأنظار أيضًا نحو بايكونور، في قلب السهوب الكازاخية، حيث يوجد أكبر مركز فضائي تستغله روسيا خارج أراضيها، فهناك اتفاقٌ بين موسكو وأستانا تم بموجبه تأجير هذه المحطة الفضائية ذات الطابع العسكري لروسيا، لغاية العام 2050، وهو يكلف روسيا 115 مليون دولار سنويًا.

إلا أن هذا الحق الامتيازي مهدٌّد اليوم بالخطر، لأن كازاخستان تطالب الآن بحقها في المزيد من السيطرة على بايكونور، وتتمنى إطلاق برنامجها الفضائي الخاص بها.

لكن الكرملين لن يقبل بهذه السهولة بأن يفقد “محطته” الإستراتيجية هذه، ولا شك أن التوترات المتصاعدة ستضع الدبلوماسية ما بين الدولتين في اختبار عويص.

أقلية روسية مهمشة، وقواعد عسكرية، ومصالح استراتيجية… كل هذه المقومات المطروحة لتبرير ضم القرم يمكن البحث عنها وإيجادها (وربما إعادة هيكلتها) أيضًا في باقي بلدان آسيا الوسطى.

موسكو بالفعل تحتفظ بقاعدة عسكرية في “كانط” في شمال قيرغيزستان، وبعد الجلاء الاضطراري لقوات حلف شمال الأطلسي عن قاعدتها بالقرب من العاصمة قيرغيز بيشيك، والذي شُرع فيه في أكتوبر 2013 ستظل القاعدة الروسية هي القاعدة الأجنبية الوحيدة في هذا البلد.

أكبر القواعد الروسية في طاجيكستان

أما في طاجيكستان، أنشأت روسيا أكبر قواعدها العسكرية البرية خارج أراضيها. أما أوزبكستان وتركمانستان فهما تقيمان أكثر العلاقات بُعدًا عن مُستعمِرهما السابق ولا تقبلان بأي تواجد عسكري تهيمن عليه روسيا.

لكنّ هذين البلدين، في المقابل، يأويان أقليات روسية مهمة، إلا أنها تواجه تمييزًا هائلا من قبل الدول التي تتواجد فيها.

فهل ستصبح آسيا الوسطى إذن، الهدفَ المقبل لتوسُّعٍ روسي جديد في فضاء ما بعد العهد السوفياتي؟.

فإذا كان القناص الروسي المترصّد لفريسته المقبلة على استعداد لأن يصبح الصورة النمطية المفضلة في القراءة الغربية للأحداث الأخيرة، فإن الوضعية في آسيا الوسطى ليست مهيئةً كليًا لسيناريو مماثل لسيناريو أوكرانيا.

فأوّلا؛ ليست روسيا محاطة بحلفاء حلف شمال الأطلسي من قِبل جوارها في الجنوب، فعلى العكس من ذلك فبدأت القوات المرابطة في قيرغيزستان وأوزبكستان، وفي طاجيكستا لتمويل مهمة قوات حفظ السلام في أفغانستان، تنسحب الآن، في إطار إنهاء هذه المهمة خلال العام 2014.

ناهيك عن أنه لم تظهر أيّ بوادر للتدخل الروسي أثناء المظاهرات الشعبية في قيرغيزستان خلال العام 2005 وخلال العام 2010 والتي أدت إلى الإطاحة برئيسين إثنين.

وكما هو الشان بالنسبة للأقليات الروسية في آسيا الوسطى فلا بد من ملاحظة أن موسكو قلما اهتمت لمصير هذه الأقليات.

السلاح الجيوسياسي بدلا من القوة

الكرملين قد يعوّل على تأثيره السياسي والاقتصادي المسلَّم به في المنطقة، والذي يستطيع أن يدافع عنه من دون أي قوة عسكرية، فلجمهوريات وسط آسيا الخمس جميعها صلات اقتصادية وثيقة مع روسيا.

صحيحٌ أن الصين منافسٌ إقليمي لا يستهان به في المجال الاقتصادي، إلا أن موسكو تظل شريكا لا غنى عنه بالنسبة لروسيا الوسطى، في المجالات كافة.

وفي هذا الشأن لا يرجِّح الخبير السياسي كيرغيس مارات كازاكبائيف، أيَّ عدوان روسي في آسيا الوسطى، ففي رأيه أن روسيا إذا أرادت أن تفرض قرارًا في المنطقة “فستستعمل ثقلها الجيوسياسي.”

وبالتالي فإن الخطر الداهم بالنسبة لبلدان آسيا الوسطى ليس التوسعَ الإقليمي لروسيا وإنما ضعفها الاقتصادي، ففي حال تعرُّضِ موسكو لعقوبات تُضر باقتصاد روسيا فإن جمهوريات آسيا الوسطى ستدفع الثمن أيضًا.

سيتم فصل الكثير من العمال المهاجرين، وقد تقلَّص الاستثمارات الروسية في آسيا الوسطى إلى حدّ كبير، وستنخفض قيمة العملات الوطنية التي تقع تحت تأثير الروبل.

بالنسبة لكازاخستان يظل الرهان القائم على جانب كبير من الأهمية، فاختارت أستانا، وهي عضو مؤسس للاتحاد الجمركي مع روسيا وروسيا البيضاء، ومحركُ إنشاء الاتحاد الأوروآسيوي، التوجه نحو التكامل الاقتصادي مع موسكو، وهو ما قد يصبح رهانا خطرًا، في حال فرْض عقوبات اقتصادية ضد روسيا.

حماية السيادة الوطنية للجمهوريات الفتية

إذا كان بوتين في الظاهر لا يهدد السيادة الإقليمية لآسيا الوسطى مباشرة، فإن لعبة استعراض العضلات في أوكرانيا تثير على الأقل خشية جيران روسيا في الجنوب.

ففي أعين قادة بلدان وسط آسيا هنالك بالفعل شيءٌ يعتبَر أكثر قداسةً من العلاقات الطيبة مع موسكو، ألا وهي سيادتها، ولهذا السبب فإن مشهد القرم قد يشكل منعطفًا في العلاقات مع الأخت الكبرى، روسيا.

خطوة روسيا في أوكرانيا سيكون لها بلا شك، أثرا حاسما على صورتها في المنطقة، ومن الممكن أن لا توحي هذه الصورة بالثقة، فالقوى الوطنية والمعادية لروسيا في آسيا الوسطى قد تستثمر هذا السياق، لتنشغل كثيرًا بحماية السيادة الوطنية للجمهوريات الفتية في المنطقة.

وكل الذين يعارضون التقارب مع روسيا، سواء في كازاخستان أو في طاجيكستان سيكتشفون أن ذرائعهم باتت أقوى وأشد.

وعلى المدى البعيد قد يؤدي تصاعد المشاعر المناهضة لروسيا في مجتمعات آسيا الوسطى إلى إجهاض المشاريع المشتركة، مثل مشروع الأوروآسيوي، وإلى حثّ البلدان على التوجه أكثر نحو الصين أو الهند.

أما موسكو فستظل بالتأكيد الأخت الكبرى في الشمال، في الوقت الحالي، لكنها أخت ميكيافيلية ينبغي ملاحظتها عن قرب.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث