الإخوان يستثمرون العلاقة التاريخية لاختراق المؤسسة الحكومية البريطانية

الإخوان يستثمرون العلاقة التاريخية لاختراق المؤسسة الحكومية البريطانية
المصدر: إرم- (خاص)

سارعت جماعة الإخوان المسلمين إلى العودة إلى بريطانيا، التي تعتبر مكانها الطبيعي خارج مصر، حيث عمدت إلى تحويل مركزها الإعلامي في شمال لندن، إلى مقر رئيسي لأنشطة التنظيم العالمي، يدير من خلاله حملاته، ويعيد رسم مستقبله.

وتجهد الجماعة، في استثمار العلاقة التاريخية مع لندن، بهدف اختراق المؤسسة الحكومية البريطانية، بحسب محللين وصفوا ذلك الاختراق بأنه “أعمق مما كان يعتقد”.

وأشاروا إلى أن شخصيات إخوانية بارزة تعمل في “قلب الدبلوماسية البريطانية”، فيما حذر عدد من الكتاب البريطانيين، من أن “الاستعمار الإخواني الجديد للندن سيكون له تداعيات خطيرة على الغرب”.

ومع أهيمة التواجد المؤسسي والإعلامي والاستثماري للجماعة في لندن، فإن تقييم العلاقة بين الطرفين يتطلب استقراء الجذور التاريخية العميقة لهذه العلاقة، وجماعة الإخوان المسلمين أنشئت في العام 1928 بمدينة الإسماعيلية، برعاية الاستخبارات البريطانية، التي قدمت شيكاً بمبلغ 500 جنيه لمؤسس الحركة الشيخ حسن البنا عبر شركة قناة السويس، رغبةً منها في خلق فصيل شعبي مناوئ لحزب الوفد، وإيجاد ورقة ضغط جديدة على ملك البلاد.

وطالما افتخرت بريطانيا بنجاحها في توفير ملاذ آمن لأعضاء جماعة الإخوان خلال العقود الثلاثة الماضية، بحسب الرئيس السابق لوحدة الاتصال بالمسلمين في شرطة لندن الدكتور روبرت لامبرت.

ولم يسبق أن اعتبرت المملكة المتحدة جماعة الإخوان منظمة إرهابية، حتى أنها لم تضعها تحت المراقبة.

بيد أن بريطانيا، خطت سبيل السعودية ومصر، عندما أعلنت في إجراء مفاجئ وغير مسبوق، عن توجيه رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، بفتح تحقيق حول الجماعة، بناء على تقييم قُدم له من جهاز الأمن الداخلي، والمخابرات الخارجية البريطانية عن احتمال ضلوع الإخوان في عمليات إرهابية.

ويأتي التوجيه، وسط مخاوف من عزم التنظيم القيام بعمليات إرهابية انطلاقاً من الأراضي البريطانية، حيث حذرت الحكومة من أن تصبح لندن ملاذًا للمتشددين الإسلاميين.

وحسب مصادر إعلامية في لندن فإن الاختراق الإخواني للمؤسسة الحكومية البريطانية يتمثل في عمل شخصيات إخوانية في وزارة الخارجية، فالدكتور طارق رمضان (51 عاما)، حفيد حسن البنا مؤسس الجماعة، وابن سعيد رمضان السكرتير الشخصي للبنا، ومؤسس الجماعة في بريطانيا، يعملان، ضمن 14 عضوا، في المجموعة الاستشارية المعنية بحرية الدين، أو العقيدة في وزارة الخارجية، والتي ترأسها المسلمة سعيدة وارسي من حزب المحافظين.

ولا يأخذ هؤلاء تأكيدات الحكومة البريطانية بأن التحقيق عبارة عن مراجعة حكومية داخلية، ليس لها أي طابع قانوني أو قضائي، على محمل الجد، مشيرين إلى أن مجرد اتخاذ القرار، وإعلانه من رئيس الوزراء يعكس القلق البريطاني المتصاعد من أنشطة الجماعات الإسلامية، التي تتخذ بريطانيا مقراً لها.

وتعتقد أوساط واسعة داخل بريطانيا، وخارجها أن لندن تحولت إلى مركز لعمليات الجماعة، ففي كانون ثاني/يناير الماضي نظمت حركة “بريطانيا أولاً” مظاهرة أمام مكتب جماعة الإخوان المسلمين في شمال العاصمة، طالبت فيها الحكومة بطرد عناصر الجماعة من أراضي المملكة المتحدة.

كما سبق ذلك، فرض السلطات قيودا مشددة على دخول دعاة أمثال الدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ رائد صلاح قائد الحركة الإسلامية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، اللذين منعت دخولهما للمشاركة في أنشطة ذات علاقة بالمنظمات الإسلامية في لندن.

كما صدرت المملكة، وللمرة الأولى في تاريخها قوانين تسمح بسحب جنسيتها من كل منخرط في أعمال إرهابية، حيث تم “سحب 36 جنسية حتى الآن معظم أصحابها من العرب”.

المراجعة، التي من المقرر رفع نتائجها في تموز/يوليو المقبل، ربما تسفر عن إجراءات قانونية ضد جماعة الإخوان المسلمين في حال ثبوت ممارستها للدعم المباشر، أو غير المباشر، أو تمجيد الإرهاب.

وحظرت وزارة الداخلية، استناداً إلى قوانين الإرهاب البريطانية، منظمات إسلامية كان آخرها “أنصار بيت المقدس”، و”المرابطون”، و”أنصار الشريعة”، التي صدر قرار حظرها في الشهر الجاري.

ويمنح قانون الإرهاب لعام 2000 وزارة الداخلية البريطانية سلطة حظر المنظمات، التي يشتبه في قيامها بأنشطة إرهابية، ونص على أن “من حق الوزارة أن تأخذ هذا القرار بناءً على معلومات مخابراتية أو بناءً على طلب رسمي”.

في العموم، مرت العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين وبريطانيا، بمراحل عدة، تنوعت بين مد وجزر، حيث شابها الحذر أحيانا، وكانت علاقة تشاركية أحيانا أخرى، يتحكم بها طبيعة وجودهم في المملكة المتحدة، وما يديرون من مؤسسات، ومنظمات، وجمعيات، وما يمارسونه من أنشطة سياسية، وإعلامية، وتجارية، واستثمارية،

“إرم”، تنشر على ثلاثة حلقات، قراءة في مصفوفة العلاقة بين الإخوان وبريطانيا، وطبيعة الوجود والنشاط، إنبثاقا من الجذور التاريخة لهذه العلاقة، والإقرار بها، ووجود الجماعة المؤسسي، والإعلامي، والاستثماري، مع قراءة عوامل الجذب.

جذور العلاقة

ذكر مارك كورتيس في كتابه “التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع المتطرفين الإسلاميين” الصادر في لندن في العام 2010، واعتمد عند كتابته على وثائق سرية رسمية أفرجت عنها الحكومة البريطانية، أن أول اتصال معلن بين مسؤولين بريطانيين والإخوان تم في العام 1941، أنشأت الجماعة في أعقابه، “الجهاز السري”، الذي حولها بسرعة إلى منظمة شبه عسكرية.

وفقاً للمصدر ذاته، فإنه بحلول 1942، بدأت بريطانيا على وجه اليقين في تمويل الإخوان؛ ففي 18 آيار/مايو 1942، عقد مسؤولون من السفارة البريطانية في القاهرة، اجتماعا مع وزير المالية المصري أمين عثمان باشا، نوقش فيه العلاقات مع الإخوان، واتفقوا أن تدفع “حكومة الوفد سرا مساعدات مالية للجماعة، فيما تقدم السفارة مساعدات أخرى، على أن تقوم الحكومة المصرية بزرع عملاء لها داخل الجماعة لمراقبة أنشطتها وإطلاع الجانب البريطاني على هذه المعلومات، فيما يُطلع البريطانيون المصريين على المعلومات التي يحصلون عليها من المصادر البريطانية”.

بعد هزيمة النازيين واغتيال مؤسس الجماعة حسن البنا في عام 1949، استمرت علاقة الجماعة قائمة بقوة مع بريطانيا.

التنسيق بين الطرفين بلغ ذروته عقب تأميم قناة السويس، مع تزايد رغبة لندن في التخلص من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

وبحسب وثيقة سرية اعتمدها مؤلف الكتاب، فإن رئيس الوزراء انطوني إيدن (1897 ـ 1977) صرخ في مساعديه قائلاً:”ما كل هذا الكلام الفارغ عن عزل ناصر أو تحييده، أريد تدمير هذا الموسوليني المسلم، ألا تفهمون؟. أريده أن يقتل. ولا يهمني ما يترتب على ذلك من فوضى بمصر”.

ويؤكد كورتيس أن السفارة البريطانية بالقاهرة أوكلت مهمة اغتيال ناصر إلى جماعة الإخوان، وهو ما نتج عنه لاحقا المحاولة الفاشلة الشهيرة بميدان المنشية بالإسكندرية.

في العام 1955، وبعد إعلان عبد الناصر حظر الجماعة وملاحقة قادتها، اتخذ الإخوان من لندن مقراً لنشاطهم الدولي، ومنها إلى كثير من بلدان العالم، وفي مطلع السبعينيات أفرج السادات عن الإخوان، حيث أعادهم للمسرح السياسي بضغط من لندن وواشنطن.

وفي العام 2005 ضغطت واشنطن ولندن على الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك لإشراك الإخوان في الحكم، وهي الضغوط، التي أدت لدخول 88 إخوانياً للبرلمان.

الإقرار بالعلاقة

في مقال نشرته مجلة (new statesman: 5 كانون أول/ديسمبر 2011) البريطانية، قال الرئيس السابق لوحدة الاتصال بالمسلمين في شرطة لندن، الدكتور روبرت لامبرت: “يجب أن تفخر بريطانيا بنجاحها في توفير ملاذ آمن لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين خلال العقود الثلاثة الماضية”.

وأضاف:”كثير من هؤلاء جاؤنا هاربين من السجن، والتعذيب في بلدان يحكمها مستبدون فاسدون دعمهم الغرب بقوة حتى جاء الربيع العربي، الآن بعض هؤلاء يعودون إلى بلدانهم الأصلية للمساعدة في بناء الديمقراطيات الجديدة، ويحصنون بلدانهم ضد ديكتاتوريات محتملة فى المستقبل في العالم العربي”.

التفسير

يفسر المؤرخ الأمريكي دافيد فرومكين في كتابه “سلام ينهي كل سلام”، موقف بريطانيا من الجماعات الإسلامية بالقول: ”إن القادة البريطانيين كانوا يعتقدون دوما أنه يمكن التلاعب بالإسلام واستغلاله بشراء قياداته الدينية، أو الاحتيال عليهم”.

حتى أن مارك كورتيس، حدد في كتابه “التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع المتطرفين الإسلاميين”، ستة أسباب تقف وراء احتضان الحكومات البريطانية المتعاقبة للإسلاميين، تتمثل في اقتناع أجهزة الاستخبارات البريطانية بأن في استضافة هؤلاء تعزيز للسياسة البريطانية القديمة “فرّق تسد”.

ويضرب كورتيس مثالاً بحالة أبو حمزة المصري، الذي رفضت لندن تسليمه لمصر، ووفرت له الحماية مقابل تزويدها بمعلومات عن أنشطة الجماعات، التي ترتاد مسجد “فنسيرى بارك” في لندن، الذي كان إماماً له لسنوات، وحوّله لملاذ الإسلاميين، ومركز لتجنيد للمجاهدين.

كما نظرت لندن لوجود قادة هذه الجماعات باعتباره “بوليصة تأمين” في حال سقوط الأنظمة، فبريطانيا تستضيف “حركة الإصلاح الإسلامي” في الجزيرة العربية، و”لجنة ابن لادن للمشورة والإصلاح”، وهناك مثال أوضح، هو قادة إخوان مصر وتونس، الذين عادوا من لندن بعد الربيع العربي لحكم بلادهم.

وجود هذه الجماعات في لندن “مكَّن المخابرات البريطانية من التجسس على أنشطتها، واكتساب شكل من قوة التأثير في السياسات الداخلية لبلدانها الأصلية”، وعلى سبيل المثال، استخدمت لندن مكتب “بن لادن” في منتصف التسعينيات كأداة ضغط على النظام السعودي.

استخدمت لندن هذه الجماعات لتحطيم الدول، كما فعلت في كوسوفو في مطلع التسعينات، والاتحاد السوفيتي بدعم المجاهدين الشيشان.

كما استخدمت الحكومة البريطانية بعض الإسلاميين على أراضيها بشكل مباشر لتصفية زعامات غير مرغوب فيها، وعلى سبيل المثال، فضح ضابط المخابرات البريطانية السابق ديفيد شيلر، تكليف أجهزة الأمن البريطانية لجماعة إرهابية إسلامية مقرها لندن باغتيال معمر القذافي في شباط/فبراير العام 1996.

وساعدت هذه الجماعات في الإبقاء على منطقة الشرق الأوسط مقسمة، وضعيفة بشكل يُمكن الغرب من استنزاف ثرواتها دون معارضة تذكر من القوى الوطنية، وأوضح مثال على ذلك، الدور الذي لعبته هذه الجماعات في التخلص من رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق.

الملاذ الآمن

حذر كل من مدير معهد هنري جاكسون للشؤون الخارجية في بريطانيا، أوليفير جويتا، والباحث في شؤون الشرق الأوسط، أرون كسلر، في مقال نشره الموقع الفرنسي (huffingtonpost: 17)، من الوجود الإخواني الكثيف والنشط في العاصمة البريطانية.

وأشارا إلى أن لندن تحولت إلى مقر رئيس للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين ومركز إعلامي له، وأن الوضع تعزز بوصول قادة هاربين من مصر من بينهم طاهر أبو محسن، وأحمد يوسف، وثروت أبو نافع. كما أن سليم العوا، رئيس هيئة الدفاع عن مرسي، وصلها أيضاً ليتم اختياره رئيسا لـ”الحكومة الموازية” لجماعة الإخوان المسلمين، فيما يستقر في العاصمة البريطانية، منذ أعوام قادة تاريخيون من أبرزهم جمعة أمين، الأب الروحي للجماعة، وإبراهيم منير، العضو السابق بمكتب الإرشاد والسكرتير العام السابق للتنظيم العالمي.

إضافة إلى مسؤول مكتب الإخوان في لندن، وهو مقيم ببريطانيا كلاجئي سياسي منذ أن وصلها عام 1975، بعد سنوات أمضاها في السجون المصرية لاتهامه بالاشتراك في المحاولة الفاشلة لاغتيال جمال عبد الناصر عام 1954.

كما أن خيرت الشاطر أقام بها لأعوام خلال الثمانينيات، وعصام الحداد، الذي عاد منها مستشاراً لمرسي للشؤون الخارجية.

وقال الكاتبان إن “الاستعمار الإخواني الجديد للعاصمة البريطانية سيكون له تداعيات خطيرة على الغرب، وإن الحديث عن الإخوان باعتبارهم ممثلاً للإسلام المعتدل، الذي لا يشكل خطراً على الغرب، هو حديث واهم، حيث سبق ليوسف القرضاوي، الزعيم الروحي للجماعة، القول: “سوف نغزو الغرب بالدعوة”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث