بعد نصف قرن.. ما دلالات وثائق حرب حزيران 67 التي سمحت إسرائيل بنشرها؟

بعد نصف قرن.. ما دلالات وثائق حرب حزيران 67 التي سمحت إسرائيل بنشرها؟

سمح الأرشيف الإسرائيلي، وهو مؤسسة حكومية تتبع مكتب رئيس الوزراء، بنشر جانب من الوثائق والملفات السرية حول البروتوكولات الخاصة باجتماعات المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية “الكابينت” إبان حرب يونيو/ حزيران 1967، أو تلك التي يطلق عليها في إسرائيل “حرب الأيام الستة”، وذلك بمناسبة مرور 50 عامًا على تلك الحرب، والتي انتهت باحتلال إسرائيل لسيناء والجولان السوري وقطاع غزة والضفة الغربية، بما في ذلك مدينة القدس.

وجرت العادة أن تفرج هذه المؤسسة عن جانب من الوثائق المماثلة بشأن ما دار في كواليس المؤسسة السياسية أو العسكرية إبان الحروب التي خاضها جيش الاحتلال الإسرائيلي، ولا يستثنى منها حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، حيث شهدت السنوات الأخيرة تسريب آلاف الوثائق التي تظهر حجم الإخفاقات التي منيت بها المؤسستان، كما شهدت تسريب وثائق بشـأن التحقيقات التي أجرتها لجنة “أجرانات” المكلفة بدراسة أسباب الهزيمة الإسرائيلية في تلك الحرب، بعد أن رفعت عنها السرية.

وكشفت الوثائق التي رفعت عنها السرية أمس الخميس، طبيعة المداولات التي أجريت داخل المجلس، وكيف أنه كان على قناعة بضرورة شن حرب وقائية ضد الجيش المصري والسوري والأردني، بعد أن تعمقت المخاوف بشأن حرب مباغتة قد تشكل خطرًا وجوديًا على إسرائيل، على أساس أن الرئيس المصري وقتها جمال عبد الناصر يمتلك مخططات تسعى لتحقيق هذا الهدف.

وأظهرت الوثائق، أن رؤية المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، كانت ترجح أن مصر تريد أن تشن حربًا شاملة تقودها إلى احتلال مدينة إيلات، فيما اتفق رئيس الوزراء وقتها ليفي اشكول مع تلك الرؤية، معتبرًا أن خطرًا محدقًا بإسرائيل من الجبهة المصرية والسورية والأردنية، وأن مباغتة إسرائيل هي مسألة وقت.

الحالة العامة

ويمكن النظر إلى ما سمح بنشره من خلال متابعة ما نشره الإعلام العبري والعربي في هذا الصدد، من زاوية أنه يظهر ما حدث خلال الساعات الأخيرة قبل شن الحرب، ويظهر جانبًا مما دار داخل المجلس الوزاري خلال الحرب، وأخيرًا طبيعة ما حدث داخل هذا المجلس في أعقاب تحقيق الانتصار على القوات المصرية والسورية والأردنية، والتقييم العسكري والسياسي والدبلوماسي من وجهة نظر الوزراء المشاركين.

وتتلخص الوثائق التي تم نشرها، والتي ربما لن تأت بجديد، سوى أنها عكست الحالة العامة التي سادت المستوى السياسي والعسكري والدبلوماسي، ويحمل الأخير أهمية استثنائية، في حقيقة أن إسرائيل روجت دوليًا لكون القيادة المصرية تشكل تهديدًا وجوديًا على غرار الخطر الذي شكله النازيون على اليهود، إبان الحرب العالمية الثانية، وكيفية الخروج للعالم بمبررات تمنح إسرائيل شرعية دولية لشن هذه الحرب، فضلاً عن كيفية امتصاص ردود الأفعال الغاضبة.

مخاوف إسرائيلية

كما تظهر الوثائق مسألة مخاوف إسرائيل بشأن قدراتها العسكرية، وإذا ما كانت الحرب الاستباقية التي تريد شنها، ستؤدي إلى ضغوط قد تتسبب في حظر تصدير السلاح إليها من دول أساسية مثل فرنسا وإيطاليا وبريطانيا، ومدى تأثير ذلك على قدرتها على مواصلة العمليات العسكرية، ولا سيما في حال لم تنجح العمليات الأولى في شل قدرات الجيوش التي تستهدفها.

وعدا عن ذلك، تظهر الوثائق أنه في أعقاب نجاح العملية العسكرية، أصبحت سيناء والجولان تحت السيطرة العسكرية، وعلى الرغم من أن الحديث يجري عن مواجهات قد تتجدد في أية لحظة، لكن مشكلة الضفة الغربية وسكان القدس ظلت العبء الأكبر، حيث طرحت مسألة مصير الفلسطينيين بشكل أثار مشكلة، يدل عدم حلها حتى اليوم على مدى عمقها.

قرار بالإجماع

ومن بين الوثائق التي نشرتها صحيفة معاريف العبرية، ما يتعلق ببروتوكول لإجتماع المجلس يوم الرابع من يونيو/ حزيران 1967، تظهر كيف اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرار شن الحرب بالإجماع، حيث تتعلق الوثيقة المشار إليها بحديث شارك فيه وزير العدل ياكوف شيمشون شابيرا، تحدث خلاله عن إمكانية فرض حظر توريد سلاح لإسرائيل من جانب كل من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا.

وتبين أن تلك الجلسة شهدت مخاوف عميقة بشأن إمكانية توقف وصول السلاح إلى الجيش الإسرائيلي في حال خاض حربًا مع الجيش المصري والسوري والأردني.

ويتضح من البروتوكولات، أنه بعد تقييم الوضعين السياسي والعسكري، رأى كل من رئيس الوزراء ووزير الخارجية والدفاع، ورئيس هيئة الأركان العامة، ورئيس الاستخبارات العسكرية، أن الجيش المصري والسوري والأردني مستعد لشن هجوم فوري ومتزامن يهدد وجود إسرائيل.

وورد في وثيقة نشرتها صحيفة معاريف، أن القرار النهائي الذي اتخذ كان ضرورة شن حرب “تحرر إسرائيل من دائرة التهديد التي تضيق الخناق عليها”، وخلال الإجتماع، فوض الوزراء رئيس الحكومة ووزير الدفاع لإصدار أوامر لرئاسة الأركان بشأن موعد العملية العسكرية.

الدبلوماسية

وشهد الإجتماع المشار إليه، والذي عقد ظهر يوم الرابع من يونيو/ حزيران تكليف وزير الخارجية وقتها آبا إيبان، بتجهيز خطة سريعة لتبرير موقف إسرائيل حول العالم، والعمل من أجل كسب تأييد الدول الكبرى للحرب التي تعتزم إسرائيل شنها.

المشكلة الفلسطينية

وتظهر الوثائق مداولات المجلس بشأن مصير السكان العرب في الضفة الغربية، وكيف أن تلك المسألة شغلت الحكومة الإسرائيلية بشكل كبير، وتوضح أن من بين المقترحات التي طرحت وقتها ما يتعلق بطرد السكان العرب إلى البرازيل، ضمن خطة عرضها اشكول، هدفها ما وصفه بـ”تطهير المربع اليهودي في القدس من العرب ونقلهم إلى مكان آخر”.

واقترح رئيس الوزراء الإسرائيلي أيضًا، أن يتم  إخلاء القدس من الفلسطينيين إلى بيت لحم، وضم قطاع غزة لإسرائيل، والعمل على توطين اللاجئين الفلسطينيين فى دول عربية أو سيناء وأجزاء من الضفة الغربية، فيما عرض وزير الدفاع خطة  لإنشاء حكم عسكرى بالضفة الغربية، وبقاء الفلسطينيين دون الحصول على الجنسية، بحيث لا يمكنهم المشاركة في  التصويت بالانتخابات العامة.

حالة من التخبط

ونشرت صحيفة “إسرائيل اليوم” وثيقة، تتعلق باجتماعات اليوم الثالث من تلك الحرب، بعد تقييم نتائج العمليات والتيقن من تحقيق أهداف العمليات العسكرية على جميع الجبهات، لكن مسألة السيطرة على السكان العرب هي التي لم تشهد أي إنجاز، ليبلغ الأمر ذروته في اجتماع عقد بعد ذلك يوم الخامس عشر من الشهر ذاته، أظهر مدى عجز المجلس الوزاري عن اتخاذ قرار بشأن الفلسطينيين.

واختلف الوزراء بشأن مصير السكان العرب، وهناك من طرح فكرة الدولة الواحدة أو حل الدولتين، فيما اقترح وزراء آخرون فكرة الحكم الذاتي، لكنه تم الإجماع على فكرة توحيد القدس، وأعلن اشكول أن المناطق التي وصفها بـ”المحررة” في الضفة والقدس أصبحت تحت الحكم العسكري، فيما عارض بيجين فكرة منح بعض المناطق نظام الحكم الذاتي.

ويظهر من خلال ما نشرته “إسرائيل اليوم”، أن مقترحًا قدمه رئيس الوزراء الكندي وقتها، بشأن استيعاب جميع العرب من سكان القدس في بلاده، وأن المجلس الوزاري الإسرائيلي درس الأمر من زوايا عديدة، لكن الحكومة الإسرائيلية رأت أن الأمر يجب أن يكون عبر “هجرة طواعية وليس قسرًا”.