تركيا تقمع في الداخل وتراوغ في الخارج

تركيا تقمع في الداخل وتراوغ في الخارج
المصدر: شبكة إرم ـ خاص

طالبت الحكومة التركية، الأربعاء، بمنح مزيد من الصلاحيات لقوات الأمن في مواجهة المظاهرات التي تندلع في البلاد، بينما تواصل أنقرة أسلوب المراوغة بشأن الانخراط في التحالف الدولي ضد داعش.

وقدمت الحكومة التركية للبرلمان مشروع قانون يمنح قوات الأمن مزيداً من الصلاحيات بعد مقتل العشرات في موجة جديدة من الاحتجاجات الكردية، فيما اتهمت المعارضة السلطات بخلق “دولة بوليسية”.

وقال نائب رئيس الوزراء، بولنت أرينج، إن القانون الجديد “سيمنح مزيداً من الصلاحيات للشرطة” في مواجهة “العنف المنتشر” كما سيمنحه “مزيداً من الحرية لاستخدام أدوات وإجراءات جديدة”.

ويدعو مشروع القانون إلى تشديد العقوبات بحق من يلحقون أضراراً بالمباني العامة ويرتدون أقنعة لإخفاء هوياتهم، بحسب وسائل الإعلام التركية، غير أن مراقبين يرون أن هذه الصلاحيات الجديدة تهدف إلى استخدام المزيد من العنف في مواجهة الاحتجاجات التي تتكرر في البلاد ضد سياسات حزب العدالة والتنمية.

وفي وقت سابق من الشهر الحالي قتل 34 شخصاً على الأقل وأصيب 360 آخرون، من بينهم رجال شرطة، عندما خرج الأكراد في تظاهرات احتجاجاً على عدم تقديم تركيا الدعم للمقاتلين في مدينة كوباني التي تتعرض لهجوم من “داعش”.

وانتقد أعضاء البرلمان المعارضين الإجراءات الجديدة وقالوا إنها ستحول تركيا إلى دولة بوليسية.

وصرح إدريس بالوكن، من حزب الشعب الديموقراطي المؤيد للأكراد، أن هذا يشبه “صب البنزين على النار، في الوقت الذي تقتل فيه الشرطة أعداداً كبيرة من الأطفال في الشوارع”، مضيفاً “من الآن فصاعداً ستستخدم الشرطة ليس فقط الدروع ولكن كذلك البنادق بعد منحها تخويلاً بالقتل”.

من جهته، قال النائب في حزب العمل الوطني، أوزكان ينجيري، إن “الشرطة ستفعل ما يحلو لها كما لو كانت حالة الطوارئ قد فرضت على البلاد، وستصبح تركيا دولة بوليسية”.

على مستوى السياسية الخارجية، لم تنجح واشنطن في اقناع تركيا بالانخراط في التحالف الدولي ضد داعش، رغم موافقة البرلمان التركي على منح تفويض للجيش بشن عمليات عسكرية في كل من سوريا والعراق ضد التنظيم المتشدد.

ويرى مراقبون أن العلاقات الامريكية – التركية تمر، حاليا، بمرحلة حرجة، اذ تشعر الإدارة الأمريكية أن أنقرة تخلق الذرائع والشروط أمام الانضمام الى التحالف المناهض لداعش.

وكان لافتا غياب قائد الجيش التركي نجدت أوزيل بين نظرائه العسكريين من نحو 20 دولة اجتمعوا في الولايات المتحدة لدراسة استراتيجية الحملة ضد داعش، لاسباب تتعلق بارتباطات سابقة، وفقا للحجة التركية الرسمية.

وتصر تركيا على إقامة منطقة عازلة في المنطقة الحدودية بينها وبين سوريا، كجزء من “الفاتورة المنتظرة” للمشاركة في القتال ضد تنظيم داعش المتشدد، بينما تبدي واشنطن حذرا وترددا إزاء هذه الفكرة.

ويعزو مراقبون أسباب التردد الأمريكي إلى أن واشنطن لا ترغب بالدخول بصراعات جانبية مع نظام بشار الأسد، فيما هي منهمكة باستكمال بناء تحالف قوي وواسع ضد تنظيم داعش.

وكان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أكد ضرورة حماية المنطقة العازلة من هجمات النظام السوري في حال إقامتها، في حين ذكرت المتحدثة باسم الخارجية، جين بساكي أن مسألة نقاش إقامة منطقة عازلة ليس بالأمر السهل.

ويرى خبراء أمريكيون أن إقامة المنطقة العازلة سيضع أمريكا في وضع صعب من الناحية الأمنية.

وقال الخبير الأمني في معهد “واشنطن” للأبحاث “جيفري وايت” “إذا أقامت أميركا منطقة عازلة فينبغي عليها حمايتها، كما تحتاج تلك المنطقة إلى حماية على الصعيد العسكري، في حال وقع هجوم من النظام السوري أو تنظيم داعش، وهذا ليس الوضع الذي تريده إدارة أوباما”.

ويعتقد خبراء إن إقامة منطقة عازلة، فضلا عن المخاطر الأمنية، تصطدم بموقف روسيا والصين منها.

وكانت موسكو قالت إن إقامة منطقة عازلة بين سوريا وتركيا تتطلب قرارا أمميا، فيما صدر عن فرنسا موقف لافت، إذ قال بيان للأليزيه أن باريس تتفق مع اقتراح تركيا في أقامة منطقة عازلة على حدودها الجنوبية مع سوريا.

في السياق ذاته، أكدت دمشق الأربعاء أنها ستتخذ “بالتشاور مع أصدقائها” الإجراءات التي تراها ضرورية لحماية الأراضي السورية من أي “تدخل عدواني”، مجددة رفضها إقامة منطقة عازلة بمحاذاة الحدود مع تركيا.

وذكر بيان صادر عن وزار الخارجية السورية، الأربعاء، أن “الحكومة التركية دأبت منذ بدء الأزمة في سورية على القيام في شكل منهجي بكل ما من شأنه ضرب الاستقرار في سوريا وتهديد سيادتها ووحدة وسلامة أراضيها”.

وجددت دمشق اتهامها لأنقرة بتوفير الدعم السياسي والعسكري واللوجيستي للتنظيمات المتشددة، وتسهيل مرور المسلحين نحو أراضيها.

وأكدت سوريا أنها “ترفض رفضاً قاطعاً إقامة مناطق عازلة على أي جزء من الأراضي السورية تحت أي ذريعة كانت”.

اقتراح تركيا كان أثار أيضا رد فعل في إيران، فقد قالت المتحدثة باسم الخارجية الإيرانية مرضية أفخم إن على أنقرة أن تتجنب حرف المواجهة مع الإرهاب باتجاه تحقيق مكاسب “تكتيكية” ومصالح آنية.

وليست المنطقة العازلة هي وحدها التي تشكل موضوع خلاف بين واشنطن وأنقرة، بل كذلك رفض تركيا استخدام قاعدة أنجرليك منطلقا لتوجيه ضربات ضد داعش.

ونفت الحكومة التركية ما تردد عن موافقتها على استخدام الولايات المتحدة الامريكية لهذه القاعدة، إذ أكدت انقرة أنها لم تبرم “اتفاقاً جديداً” مع الولايات المتحدة يجيز فتح قواعدها أمام طائرات التحالف الدولي، مشيرة إلى أن مفاوضات تجري بين الجانبين بهذا الخصوص.

وكان مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية قد قال إن تركيا قررت السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها الجوية وخصوصاً قاعدة أنجرليك في الجنوب للتصدي للتنظيم المتطرف.

في هذه الاثناء، أعلن أبرز حزب كردي في تركيا الاربعاء انه سيجري قريبا مشاورات مع أبرز المسؤولين في حزب العمال الكردستاني حول متابعة عملية السلام التي بدأت مع الحكومة.

وكان زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله اوجلان الذي يمضي عقوبة بالسجن المؤبد في جزيرة ايمرالي، أمهل السلطات التركية حتى 15 تشرين الاول/اكتوبر لاظهار تصميمها على مواصلة هذه المحادثات التي اهتزت بسبب سياسة أنقرة حيال الوضع في سوريا واعمال الشغب التي وقعت الاسبوع الماضي أثناء تظاهرات موالية للاكراد.

ولم تدل الحكومة التركية ولا حزب العمال الكردستاني بأي تصريح مع انتهاء هذه المهلة، الأربعاء.

إلا أن حزب الشعب الديموقراطي (الموالي للاكراد) أعلن أن وفدا سيتوجه في نهاية هذا الأسبوع إلى جبال قنديل (شمال العراق) لاجراء محادثات مع القادة العسكريين في حزب العمال الكردستاني.

وسيتوجه ثلاثة نواب من حزب الشعب الديموقراطي لاحقا في 21 تشرين الاول/اكتوبر إلى ايمرالي لمقابلة اوجلان في سجنه، بحسب بيان.

وأفاد مكتب رئيس الوزراء التركي أن احمد داود اوغلو الذي كرر الثلاثاء تصميمه مواصلة محادثات السلام، سيرأس مساء الأربعاء اجتماعا مخصصا لهذا الملف.

وهذه المفاوضات التي بدأت قبل عامين والرامية الى وضع حد للنزاع بين العمال الكردستالني والجيش التركي الذي أوقع حوالى 40 الف قتيل منذ 1984، مهددة بوضوح اليوم.

وحذر اوجلان مؤخرا من ان سقوط مدينة كوباني سيعني فعليا انتهاء عملية السلام. واعلن ابرز قادته العسكريين ان مقاتلين من حزب العمال الكردستاني بدأوا العودة الى الاراضي التركية.

وكرر رئيس الوزراء التركي احمد داود اوغلو الاربعاء ان السوريين فقط مسموح لهم بعبور حدود بلاده للتوجه للقتال في مدينة كوباني، رافضا دعوة فرنسا لفتح الحدود في شكل أكبر أمام المقاتلين الأكراد.

وقال أوغلو في تصريحات صحافية “من يأتون من سوريا يمكنهم العودة للانضمام للقتال” في كوباني، مكررا أن حكومته ترفض تمكين مقاتلين من جنسيات أخرى وخصوصا الاتراك، من العبور الى سوريا.

وكان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند شدد الثلاثاء على الضرورة القصوى “لأن تفتح تركيا حدودها” مع سوريا للسماح بمساعدة المقاتلين الاكراد في الدفاع عن المدينة الكردية السورية.

ورد داود اوغلو “ليس مقبولا أن يطلب منا فتح حدودنا من دون تحديد مفصل لما يعني ذلك”.

وتابع “ليس مقبولا القول إن هذه الازمة جارية فقط لأن تركيا لا تفتح حدودها”، مضيفا “من السهل التحدث من باريس. هل يعلمون ما يجري فعلا في الميدان؟”.

وأضاف رئيس الوزراء التركي “لا نسمح للمواطنين الاتراك بالدخول إلى سوريا لاننا لا نريدهم أن يشاركوا في النزاع السوري. ونحن نحاول وقف من يسعى إلى ذلك بطريقة غير شرعية”، مؤكدا أن “هذا مناف لقوانيننا الدستورية”.
ولا يأتي هذا الموقف التركي انطلاقا من اعتبارات قانونية، بل هو نابع من خشية أنقرة من تقوية شوكة الأكراد في الشمال السوري، وسط مؤشرات تدلل على دعم تركيا لداعش.

وترفض تركيا مثل هذه الاتهامات، إذ قال رئيس الوزراء التركي في أحدث تصريح بهذا الخصوص إن بلاده لم تقم علاقات مع منظمات متطرفة، ولا يمكن الدفاع عن الإسلام من خلال طريقة “داعش”.

واضاف أوغلو في تصريحات لقناة الجزيرة القطرية أن “النظام السوري هو الذي يدعم تلك التنظيمات، وما يحدث هو تشويه وافتراء ضد تركيا”، مشيرا إلى أن أنقرة تدعم “المعارضة السورية المعتدلة في الجيش السوري الحر”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث