الغرب يتعامل مع الأكراد بازدواجية

الغرب يتعامل مع الأكراد بازدواجية
المصدر: إرم- من مدني قصري
تثبت المعارك الشرسة التي تشهدها بلدة كوباني الكردية السورية إزدواجية المعايير الغربية في التعامل مع الأكراد، ففي حين هب الغرب لنجدة إقليم كردستان لدى تعرضه لهجوم مماثل من قبل داعش، فإن هذه القوى الغربية ذاتها مترددة في حماية المدينة الكردية السورية.
وكان وزير الخارجية الأمريكي واضحا حين قال الأربعاء أن منع سقوط مدينة كوباني بيد داعش لا يمثل هدفا استراتيجيا للولايات المتحدة.
يكشف تقدم “الدولة الإسلامية” في مدينة عين العرب /كوباني عن كل القيود المفروضة على الإستراتيجية المتبعة من قبل التحالف، وعن تناقضاته الداخلية، فهناك حقيقة تراجع تأثير الغارات الجوية، وهناك أيضا الحدود السياسية التي تقيد التزام التحالف، لاسيما إزاء الأكراد.

ويقول عثمان بيدمير، العمدة السابق لديار بكر، عاصمة أكراد تركيا: “لا نريد أن نعتبر أن الصديق الوحيد للرجل الكردي هو الرجل الكردي، ولكن تركيا والغربيين يريدون أن يجبرونا على التفكير بهذا المنطق”، فهو يشير إلى قول مأثور “الصديق الوحيد للرجل الكري هي الجبال”.

ويشهد على هذا بوضوح التاريخ المضطرب لهذا الشعب البالغ تعداده 30 مليون نسمة يعيشون على إقليم متجانس، مع نفس اللغة تقريبا، ولكنه لا يزال محروما من دولة، ويعيش ممزقا ما بين تركيا (15 مليون) والعراق (5 ملايين)، وسوريا (1.5 مليون) وإيران (5 ملايين).

تاريخيا، ما انفك الأكراد منذ تفكك الإمبراطورية العثمانية بعد عام 1918، يخضعون للاستغلال ويتعرضون للخيانة من قبل القوى الإقليمية والغرب على السواء، وكان هذا يؤدي في كل مرة إلى مجازر، وخاصة في العراق حيث هدد صدام حسين بإبادة جماعية حقيقية في أواخر الثمانينيات مع استعماله، كما فعل في حلبجة، الغاز ضد السكان المدنيين، ولهذا السبب، بعد الانتفاضة الكردية التي أعقبت حرب الخليج الأولى في عام 1991، صادق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على إقامة منطقة كردية في شمال العراق، أصبحت مستقلة بالفعل عن بغداد.

وفي سوريا أصبح الأكراد مهددين بشكل مباشر، فبعد كوباني، قد يوجه الجهاديون هجومهم على عفرين، الجيب الكردي الواقع في شمال حلب والمتاخم أيضا للحدود التركية.

ولد التحالف الغربي في شهر آب/ أغسطس بإرادة من واشنطن وباريس، بغرض منع زحف “الدولة الإسلامية” التي كانت تهدد أربيل، عاصمة كردستان العراقية، وقد تم تسليم الأسلحة من قبل الغربيين لتجهيز البيشمركة، أي المقاتلين الأكراد العراقيين، ولكن في أنقاض كوباني لا يملك السوريون الأكراد في حزب الاتحاد الديمقراطي إلا الأسلحة الخفيفة لمواجهة المسلحين المزودين بالدبابات والمدفعية، التي استولوا عليها في الموصل من الجيش العراقي.

ويقول كندال نزان، رئيس المعهد الكردي في باريس: “هناك الآن، في عيون الغربيين، الأكراد الجيدون، والأكراد السيئون، من جهة أكراد العراق، الذين يملكون النفط، والذين اختاروا الديمقراطية وصاروا منذ فترة طويلة حلفاء لأمريكا، وهناك من جهة أخرى الأكراد المرتبطون بشكل أو بآخر بحزب العمال الكردستاني التركي، والذين يصفهم الغرب بالإرهابيين”.

فحزب العمال الكردستاني في الواقع لا يزال على لائحة المنظمات الإرهابية في الاتحاد الأوروبي وواشنطن، أما حزب الوحدة الديمقراطية الذي ظل لفترة طويلة غامضا إزاء بشار الأسد، والذي صار مهيمنا بالقوة بين الأكراد السوريين، مرتبط سياسيا، وحتى عضويا، بحزب العمال الكردستاني.

والحال أن تركيا، العمود الجنوبي الشرقي لحلف شمال الأطلسي والشريك الاستراتيجي الذي لا غنى عنه في الائتلاف، تفرض الفيتو ضد كل ما يمكن أن يعزز عسكريا هذه المجموعة التي ما تزال تعتبرها تهديدا، على الرغم من شروع السلطات التركية منذ عامين في عملية سلام، بعد محادثات مباشرة مع زعيمها عبد الله أوجلان، المسجون منذ عام 1999 .

ويضيف كندال نزان: “من الرعونة والسخف أن لا يأخذ الغربيون بعين الاعتبار واقع هذه العملية حتى يغيروا نهجهم تجاه هذه القضية”، لكن في نظر أنقرة، التي تسمح بنشر جنودها الأتراك في العراق وسوريا يظل حزب العمال الكردستاني لا يقل خطرا عن “الدولة الإسلامية”.

ووفقا لصحيفة لبيراسيون الفرنسية في تحليلها لوضع الأكراد في ظل الأحداث الجارية في الشرق الأوسط، فإن معظم البلدان في المنطقة المشاركة في الائتلاف وضعت في الواقع أجندات متنافسة قد يثبت بعد أمد قصير أو طويل تعارضها مع أهداف واشنطن، فتركيا تصر منذ عامين على إنشاء منطقة عازلة على جزء أو حتى على كامل الحدود مع سوريا، للحد من تدفق اللاجئين، الذين وصل عددهم إلى 1.5 مليون شخص.

والحال أن الاستيلاء على كوباني من قبل “الدولة الإسلامية” يمكن أن يشكل فرصة للحصول على دعم من الائتلاف وعلى انتداب دولي، وتقول الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أيضا إنهما منذ الآن على استعداد لـ “النظر” في فكرة إنشاء منطقة عازلة بين سوريا وتركيا.

من ناحيتها ترى أمريكا أن “المسألة جديرة بأن ننظر إليها عن قرب أكثر”، هكذا أصر وزير الخارجية، جون كيري، وهو ما يؤشر لحدوث تغيير واضح في الدبلوماسية الأمريكية حول هذا الاقتراح الذي يثار بانتظام منذ ثلاث سنوات، ومثل فكرة منطقة الحظر الجوي الذي طلبته تركيا فقد تصبح كوباني نقطة تحول حاسم في الحرب.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث