الشكوك تحيط بنوايا تركيا تجاه سوريا

الشكوك تحيط بنوايا تركيا تجاه سوريا
المصدر: إرم ـ ابراهيم حاج عبدي

شكلت موافقة البرلمان التركي على منح التفويض للجيش القيام بعمليات عسكرية ضد تنظيم داعش المتشدد في كل من سوريا والعراق، مفارقة جديدة ضمن المشهد السياسي التركي الذي لا يخلو من التناقضات.

ولعل اللافت في مثل هذا التطور هو أن النواب الأكراد في البرلمان التركي هم الذين رفضوا منح هذا التفويض، رغم أن المناطق الكردية في سوريا والعراق هي الأكثر عرضة لتهديد داعش، ما يعني أن هؤلاء النواب يدركون خفايا الحكومة التركية، ولا يثقون بها، فهي تجهر بشيء في العلن وتطبق ما يناقضه في الخفاء.

وسارع رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو إلى تبديد مخاوف الأكراد، إذ أكد أن بلاده “ستبذل كل ما بوسعها” لمنع مسلحي “الدولة الإسلامية” من السيطرة على مدينة كوباني الكردية السورية، لكن لا يمكن لأحد أن يأخذ هذا التصريح التركي بجدية.

هذه السياسة التركية الغامضة تطرح مجموعة من الأسئلة ضمن المشهد السياسي والامني الملتبس في الشرق الأوسط، فهي من أكثر الدول التي ارتبطت سياساتها بقدرها الجغرافي الذي يقسمها بين قارتي آسيا وأوربا، فيحدث شرخا في السياسة كذلك.

تطمح أنقرة إلى التوجه غربا عبر الانضمام الى الاتحاد الأوروبي لكنها تتمدد، في الآن ذاته شرقا، عبر استثمار عمقها العربي والإسلامي، وهي تسعى للاحتفاظ بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة وتحتفظ بقاعدة عسكرية أمريكية في أنجرليك، لكنها لا ترغب في قطع علاقاتها مع خصوم لواشنطن في المنطقة، وهي إذ تظهر تعاطفا مع محنة الفلسطينيين، فانها لا تقطع حبل الود مع الدولة العبرية.

ولعل هذا الغموض في السياسية التركية تجلى بوضوح عبر موقفها من التحالف الدولي، فهي ترددت، بداية، ثم أعلنت الحرب على داعش الذي يتلقى، بحسب مراقبين، دعما واسعا من أنقرة، فحزب “العدالة والتنمية”، ذي التوجه الاسلامي الحاكم في البلاد، لا يخفي تعاطفه مع حركات الإسلام السياسي في المنطقة.

وإلى جانب هذا المؤشر “الايديولوجي” الذي يحرك السياسة التركية، فان المؤشر الآخر هو القضية الكردية التي تحرك البوصلة التركية في هذا الاتجاه أو ذاك، وهي مثلت مأزقا للحكومات التركية المتعاقبة منذ تأسيس تركيا الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك، مطالع القرن الماضي.

ورغم الانفتاح المحدود الذي ابدته حكومة العدالة والتنمية إزاء مقاتلي حزب العمال الكرستاني، وإعلانها خوض حوار مع زعيمه عبد الله أوجلان المعتقل منذ العام 1999 إلا أن أنقرة تنظر بحذر إلى ازدهار اقليم كردستان العراق، وكذلك تنظر بريبة مماثلة إلى نشاطات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي يدير المناطق الكردية في سوريا، وينطر إليه بوصفه امتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي حارب الجيش التركي لثلاثة عقود.

ولا يخفي ناشطون أكراد خشيتهم من أن المحاولات التركية للتدخل في سوريا نابعة من تقليص وتحجيم الدور المتصاعد لهذا الحزب الكردي في الشمال السوري، على خلاف ما تعلنه أنقرة من أن هدفها هو محاربة داعش.

وطالبت عدة فصائل كردية أنقرة بدعم أكراد كوباني في معركتهم ضد “تنظيم الدولة”، لكن دون تدخل من الجيش التركي، بحيث ينحصر الدعم بتقديم السلاح والإغاثة الإنسانية والدعم اللوجستي.

زعيم حزب العمال الكردستاني، عبدالله أوجلان، هدد، بدوره، الحكومة التركية بنسف مفاوضات السلام بين الجانبين، في حال سقطت كوباني بيد “تنظيم الدولة”.

واتهم أوجلان في الوقت نفسه أنقرة باستخدام “داعش” لتحقيق أهدافها السياسية، من أجل وضع الأكراد بين فكي كماشة، فإما ان “تنظف” داعش المناطق الكردية في شمال سوريا، أو يقوم الجيش التركي “باحتلالها” بذريعة حماية الأكراد هناك.

أما الموقف الرسمي السوري، فجاء لافتا، ففي الوقت الذي لمحت فيه دمشق إلى رضاها عن ضربات التحالف ضد داعش على أراضيها، فانها اعتبرت التدخل التركي “عدوانا”، وطالبت المجتمع الدولي بالتحرك لوضع حد لما أسمته “مغامرات القيادة التركية، ونهج أنقرة المدمر”.

وكانت طهران، حليفة سوريا، سبقت دمشق إلى اتخاذ موقف مماثل، إذ بادرت إلى تحذير أنقرة من اتخاذ أي خطوات على الأرض السورية أو العراقية “دون تنسيق دولي أممي”.

ومعروف ان حديث أردوغان المتكرر عن سعيه علنا للإطاحة بالأسد لا يطمئن دمشق وطهران، وهو ما يفسر تبادين موقفيهما من التحالف الدولي الذي حظي بترحيب خفي خصوصا من دمشق، لكن انضمام تركيا لهذا الحلف لم يلق الترحيب ذاته من العاصمتين، بل قوبل بانتقاد حاد.

في غضون هذه التطورات، تحتدم المعارك في محيط مدينة كوباني التي يدافع عنها مقاتلون سوريون أكراد لمنع تنظيم داعش من اقتحامها.

ولا تخفي تركيا قلقها إزاء الوضع في كوباني الواقعة على حدودها والتي تسببت المعارك في محيطها بنزوح 186 الف شخص على الاقل عبروا الحدود نحو تركيا.

ضمن هذه المعادلة المعقدة، يصعب تفسير مواقف الحكومة التركية، كما يصعب التنبؤ بشأن خططها المستقبلية، غداة التفويض الذي منح الجيش الضوء الاخضر للقيام بعملية عسكرية في الاراضي السورية والعراقية وأجاز كذلك نشر قوات اجنبية على الاراضي التركية يمكن ان تشارك في تلك العملية.

لكن، في مجمل الاحوال، يبدو الوصف الرسمي السوري للموقف التركي الجديد بـ “المغامرة” هو الذي ينطبق على الخيار التركي، فأنقرة ستلعب كل أوراقها، ولا يمكن لها، كما صرح رجب طيب أردوغان، أن تبقى في وضع المتفرج إزاء الأزمة التي تهز المنطقة، والتي اقتربت من حدودها، منذرة بالوصول إلى عقر دارها.
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث