غزة الجريحة تنتصر

هدوء يسود القطاع في ظل هدنة بلا خروقات ومفاوضات في القاهرة لتثبيتها

غزة الجريحة تنتصر
المصدر: إرم ـ من إبراهيم حاج عبدي وشاكر الجوهري

سيذكر العالم ولسنوات طويلة قادمة صيف 2014 ، فما شهده قطاع غزة في هذا الصيف الساخن يعد نقطة تحول حاسمة في مسار الصراع العربي الإسرائيلي.

قد يكون من السذاجة القول إن المقاومة الفلسطينية انتصرت بالمعنى العسكري بعد هذا العدد الكبير من الشهداء، إذ بلغت الحصيلة نحو 1900 شهيد، وبعد هذا الكم الهائل من الدمار الذي ألحقه العدوان الإسرائيلي بقطاع غزة.

لكن هل تحسب النتائج على هذا النحو عبر الاستناد إلى ارقام الضحايا وحجم الدمار؟ أم ثمة مقاربات أخرى أكثر منطقية لمعركة، غير متكافئة البتة، دامت نحو شهر؟

تقول الأرقام أن ضحايا العدوان الإسرائيلي هم في غالبيتهم الساحقة من المدنيين، وهذه “الحصيلة الثقيلة” تمثل وصمة عار تضاف إلى السجل الاسود للدولة العبرية التي تتباهى بكونها دولة ديمقراطية مدنية في الشرق الأوسط.

وثمة حقيقة أخرى صادمة وهي أن ثلث الضحايا، كما قالت الأمم المتحدة، هم من الأطفال وهذا يعني أن أكثر من 400 طفل فلسطيني قضوا في هذه المعركة التي شنتها إسرائيل، ويا للمفارقة، للقضاء على الإرهاب.

في المقابل، لم تستهدف المقاومة الفلسطينية سوى الجنود الإسرائيليين، إذ قتلت نحو 65 جنديا، ما يعني ان الفصائل الفلسطينية انتصرت بالمعنى السياسي والأخلاقي والإنساني رغم الكلفة الباهظة التي دفعتها.

وسط هذه المعادلة غير المنصفة بين شعب أعزل وجيش مدجج بأحدث الاسلحة، سعت إسرائيل إلى تحريف الحقائق، وركزت على الهلع الذي اصاب مواطنيها، لكن الصور الصادمة كانت أقوى وأكثر بلاغة من أية محاولة للإنكار.

وثمة أمثلة لا تحصى عن عدالة الصورة التي دحضت مزاعم إسرائيل وحشدت تأييدا عالميا مؤيدا للموقف الفلسطيني. كانت الشاشة تنقسم الى نصفين: النصف الأول يظهر صوراً مباشرة، منقولة من أحد أحياء مدينة غزة حيث وقعت مجزرة اختلطت فيها الدماء بالأشلاء، والصرخات بالدموع الغزيرة… النصف الثاني من الشاشة يظهر افيخاي أدرعي، المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، وهو يرد على سؤال للمذيع: ما تعليقك على استهداف إسرائيل للمدنيين؟

سيشكك أدرعي في الصور، وسيتهم الفضائيات بالمبالغة، بل يتمادى ليقول إن “المخربين والإرهابيين هم من يدكون المنازل والمدارس والاسواق”… وهو، إذ يسترسل في إظهار بلاده وكأنها ضحية، تتوالى صور المجزرة لتنسف حججه ومزاعمه.

على هذا النحو تصبح الصورة مزيفة إذا كانت تنطوي على دليل إدانة للسلوك الإجرامي الإسرائيلي، لكنها تصبح وثيقة دامغة حين تخدم وجهة نظرها وهذا ما تجلى، مثلا، في جلسة لمجلس الأمن عندما عرض المندوب الإسرائيلي صورا فوتوغرافية تظهر، وفقاً لتعليق المندوب، “منصات صواريخ” منصوبة بالقرب من مدارس وأماكن مدنية. هنا أصبحت الصورة، على رغم انها فوتوغرافية، وثيقة تبرر للجيش الإسرائيلي استهداف المدارس والمنشآت المدنية.

لقد فاق الصلف الإسرائيلي كل تصور لدرجة أن حلفاء إسرائيل التقليديين راحوا يدينون سلوكها الإجرامي، واستهدافها، بهذه القوة المفرطة، المدنيين الآمنين، وبدا أن هناك تضامنا غربيا مع أهل غزة أكبر من التضامن العربي، فالمظاهرات المنددة بإسرائيل والتي عمت شواراع باريس ونيويورك كانت أقوى صوتا من مظاهرات خجولة شهدتها بعض العواصم العربية المثقلة بهمومها وملفاتها العالقة.

كان الشاعر الفلسطيني محمود درويش محقاً حين قال: “… ليست غزة أجمل المدن. ليس شاطئها أشد زرقة من شواطئ المدن العربية، وليس برتقالها أجمل برتقال على حوض البحر الأبيض… ولكنها تعادل تاريخ أمة. لأنها أشد قبحاً في عيون الأعداء، وفقراً وبؤساً وشراسة. لأنها أشدنا قدرة على تعكير مزاج العدو وراحته، لأنها كابوسه، لأنها برتقال ملغوم”.

هذا البرتقال الملغوم سرعان ما يتفجر في وجه إسرائيل كلما حاول قطفه، وعلى رغم أن السيناريوهات الدامية التي خطها الجيش الإسرائيلي بدباباته وطائراته لم تكن جديدة. لكنّ الصور تأبى أن تصبح مألوفة، وكلما ظهرت وجوه أهل غزة على الشاشات، أدركنا أن ثمة درساً جديداً في معنى التشبث بالحقوق والحياة.

جردة حساب

نفض غبار العدوان الإسرائيلي على غزة يكشف عن خارطة سياسية جديدة في المنطقة!

فلسطينيا كشف نفض غبار المعركة عن:

أولا: ارتقاء 1867 شهيدا، بينهم 401 أطفال، 238 سيدات، و74 مسنا.

ثانيا: جرح عشرة آلاف مواطن، بينهم 2805 أطفال، و1823 سيدة و343 مسنا.

ثالثا: تدمير 5238 وحدة سكنية، وتضرر 30050 وحدة سكنية أخرى بشكل جزئي، منها 4374 وحدة أصبحت غير صالحة للسكن، وفق معلومات صادرة عن وزارة الأشغال العامة الفلسطينية.

رابعا: تدمير 138 مسجدا، من بينها 28 مسجدا بشكل كلي، و110 مساجد بشكل جزئي، واستهداف 52 مسشفى ومركزا صحيا وتدميرها بشكل جزئي.

خامسا: تدمير 8 محطات للمياه ومحطة توليد الكهرباء الرئيسية والوحيدة في القطاع.

سادسا: بينما نزوح 250 ألف مواطن من منازلهم.

سابعا: تدمير 52 قاربا من قوارب الصيادين في غزة.

ثامنا: بلغ اجمالي قيمة الخسائر المادية خمسة مليارات دولار.

اسرائيليا كشف نفض غبار المعركة عن:

أولا: قتل 64 جنديا وفقا لاعترافات الجانب الرسمي الإسرائيلي، فيما تؤكد مصادر اعلامية اسرائيلية (صحيفة “معاريف”) أن القتلى من الجيش الإسرائيلي يبلغون عدة مئات.

وتفصل الصحيفة الإسرائيلية مؤكدة أن ما عرض على الحكومة الإسرائيلية المصغرة (الكابنيت) حتى يوم السبت الماضي (2/8/2014) هو:

1. قتل 497 جنديا ، و113 ضابطا.

2. اصابة 879 جنديا اصاباتهم موزعة بين متوسطة وخطيرة، اضافة إلى 362 ضابطا اصاباتهم موزعة بين متوسطة وخطيرة، واصابة 620 جنديا ومقتل 270 آخرينمن المرتزقة.

3. 166 حالة انتحار لجنود في صفوف الجيش.

4. 311 حالة أطلق الجنود فيها النار على انفسهم ليغادروا أرض المعركة.

ثانيا: قدر خبراء اسرائيليون كلفة الحرب على غزة إلى ما قبل أسبوع على نهايتها بـ خمسة مليارات ونصف المليار دولار..

ثالثا: قدر صندوق النقد الدولي نهاية الأسبوع الماضي خسائر الإقتصاد الإسرائيلي جراء العدوان على غزة بنحو 0.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعادل 546 مليون دولار.

رابعا: تراجعت السياحة بشكل كبير بعد إلغاء زيارات وحجوزات على نطاق واسع. وكانت شركة طيران «العال»، وهي الخطوط الجوية الوحيدة في إسرائيل، أعلنت أنها تتوقع هبوطا في عوائدها خلال الربع الثالث من العام الحالي بما لا يقل عن 50 مليون دولار أميركي.

خامسا: أظهرت الأرقام في الملاحق الإقتصادية الإسرائيلية أن السوق الإسرائيلي يتضرر يوميا بمبلغ (29 مليون دولار)، بما في ذلك أضرار تراجع حجم التصدير.

سادسا: يضاف إلى ذلك أضرار بنحو مليار دولار لكل واحدة من مائة إدارة محلية في اسرائيل.

سابعا: يضاف لكل ذلك نتيجة قصف صواريخ المقاومة الفلسطينية وزيادة المصروفات بسبب حالة الطوارئ، ناهيك عن تعويضات للمصالح التجارية والموظفين: نصف مليار شيقل، وتعويضات أخرى جراء سقوط القذائف وصلت إلى 200 مليون شيقل (58 مليون دولار).

ثامنا: أما “تقلص النمو” في السوق فقدره الإقتصاديون الإسرائيليون بنحو 0.4 في المائة، أي ما يوازي أربعة مليارات شيقل (1.1 مليار دولار).

تاسعا: خسائر خارجية مرتبطة بإلغاء دول اتفاقيات اقتصادية مع إسرائيل، حيث ألغت دول البرازيل والأرجنتين وبوليفيا وفنزويلا والأوروغواي والباراغوي اتفاقية “الميركسور” للتعاون الإقتصادي مع إسرائيل.

عاشرا: يضاف إلى كل ما سبق خسائر أخرى غير متوقعة بسبب حملة “مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها”، والتي كبدت تل أبيب خسائر تتاروح بين 5- 8 مليارات دولار سنويا.

وكان خبراء اقتصاد توقعوا قبل بداية الحرب على غزة أن تكبد المقاطعة هذا العام إسرائيل نحو 8 مليارات دولار سنويا، بعدما شرع الإتحاد الأوروبي الذي يستوعب 32 في المائة من الصادرات الإسرائيلية، بمقاطعة المستوطنات وتمييز بضائعها منذ مطلع العام.

ورغم كل هذه الكلف، فقد خرجت المقاومة الفلسطينية منتصرة عسكريا من هذه الحرب، وخرجت اسرائيل منهزمة عسكريا.

مؤشرات هزيمة اسرائيل:

تتجلى هذه المؤشرات في:

أولا: تصريحات قادة عسكريين اسرائيليين قالوا بكل صراحة إن المقاومة الفلسطينية هي التي انتصرت في هذه الحرب، وأن اداءها في الحرب البرية فاق أداء حزب الله في حرب تموز/يوليو 2006.

ثانيا: صدرت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية صباح الثلاثاء (5/8/2014) بالعنوان الرئيس التالي: “غزة انتصرت ونتنياهو خيب آمالنا”.

ثالثا: امتناع جنود أفضل لواء قوات خاصة في الجيش الإسرائيلي (جولاني) عن ركوب المدرعات التي تروم الدخول إلى غزة، لأنهم أدركوا أن الآخرة توجد داخل غزة..!

رابعا: اضطرار الجيش الإسرائيلي إلى:

1. التحول عن محاولة اقتحام أهداف عسكرية محددة، إلى القصف العشوائي للأهداف المدنية، مع التركيز على مناطق تحشد الأسر والأطفال الذين لجأوا إلى المدارس.

2. الإضطرار إلى سحب الجيش إلى خارج قطاع غزة، وهو الذي لم يتمكن اساسا من التوغل إلى ما يزيد عن غلاف قطاع غزة الخارجي في بعض المناطق، دافعا أثمانا باهظة لهذه الإختراقات المحدودة.

أسباب انتصار المقاومة الفلسطينية:

أولا: المعنويات المرتفعة المقرونة بأمرين:

1. امتلاك قضية يتم القتال دفاعا عنها، وهو ما ولد الإصرار على الإنتصار، ورفع الحصار الذي عانى منه أهل غزة طوال ثماني سنوات.

2. الرغبة العارمة.. بل التصميم الأكيد على الإنتقام من قتلة الشعب الفلسطيني، والمنكلين به.

ثانيا: التدريب العسكري الراقي والمتقدم، وكذلك اللجوء إلى الحفر. لقد تم تجاوز حفر الخنادق إلى حفر الأنفاق، وهو ما هيأ الظروف للتسلل عبر هذه الأنفاق إلى الخطوط الخلفية لقوات العدو ومهاجمتها. وكان أكثر ما أرعب جنود العدو هو امكانية وقوعهم في أسر المقاومة، على غرار أسر جلعاد شاليط، الذي أمضى في أسر حركة “حماس” سنوات طوال.. منذ 25/6/2006 إلى 18/10/2011.

ثالثا: امتلاك السلاح المناسب.. كما ونوعا.

رابعا: الثقة في القيادة التي تقود المقاتلين.

خامسا: عدم وجود ما يمكن لمقاتلي المقاومة أن يخسروه.. لقد جعلهم التنكيل الإسرائيلي والعربي عبر حصار الثمان سنوات لا يميزون بين الموت البطيئ الذي يخبئه لهم الحصار، والموت السريع على طريق الشهادة التي يوفرها لهم الإستبسال. طلبوا الموت فوهب لهم النصر والحياة.

خلاصة ما سبق:

أولا: أن اسرائيل لم تعد في وارد تجربة حظها العاثر مجددا في حرب مقبلة مع المقاومة الفلسطينية.

ثانيا: أن حكومة نتنياهو أصبحت مهددة بخطرين داهمين.. احدهما عاجل، والآخر آجل، لكنه مؤجل فقط إلى حين معلوم.

الخطر العاجل يتمثل في احتمال تفكك الإئتلاف الوزاري الحاكم، وسقوط حكومة نتنياهو، والتوجه إلى انتخابات تشريعية مبكرة لا يفوز فيها نتنياهو بالأغلبية البرلمانية.

أما الخطر المؤجل فهو فشل الأحزاب المؤتلفة في هذه الحكومة في الإحتفاظ بمقاعدها البرلمانية في الإنتخابات التشريعية المقبلة، والمقررة مطلع عام 2016.. خصوصا حزب الليكود.

ثالثا: حتى لا تتورط اسرائيل بهزيمة أخرى بعد بضع سنين، وفي إطار محاولة نتنياهو التشبث بكرسي رئاسة الوزراء، فإن هذا يستدعي أمرين رئيسين:

الأول: الإعلان للرأي العام الإسرائيلي تحقيق انتصار كاذب مربوطا بـسحب الجيش، وإعلان تحقيق أهداف العدوان، التي تأرجحت هبوطا من نزع سلاح المقاومة، إلى هدم الأنفاق..!

الثاني: التوصل إلى حل نهائي مع قطاع غزة وقيادة المقاومة فيه، تقنع الرأي العام الإسرائيلي أن نتنياهو لن يقود اسرائيل إلى حرب أخرى.

لقد هزمت اسرائيل خلال السنوات الماضية خلال عهد حكومة ايهود اولمرت في حرب تموز/يوليو على لبنان سنة 2006.. وحرب أواخر 2008، أوائل 2009 على قطاع غزة. وأدت هاتين الهزيمتين إلى إسقاط حكومة اولمرت، وانهاء مستقبله السياسي. وقد تعهد بنيامين نتنياهو لدى تشكيله حكومته بأن ينتقم من قطاع غزة، لكنه قاد الجيش الإسرائيلي إلى هزيمتين منكرتين: هزيمة 2012، وهزيمة 2014.. ويبدو أن نتياهو سائر على خطى اولمرت بفضل مقاومة فلسطينيي قطاع غزة.

هدنة ومفاوضات

وفي حين يسود الهدوء القطاع إثر هدنة لم تسجل أية خروقات حتى اللحظة، وصل وفد إسرائيلي اليوم إلى القاهرة لإجراء مباحثات مع المسؤولين المصريين حول سبل التوصل إلى تهدئة دائمة في قطاع غزة.

وذكرت وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية الرسمية أن الوفد الذي يضم ثلاثة من كبار المسؤولين الإسرائيليين وصل على متن طائرة خاصة من تل أبيب في زيارة سريعة يجري خلالها مباحثات في القاهرة حول سبل التوصل للتهدئة الدائمة.

من جانبه، أفاد مصدر رسمي فلسطيني في معبر رفح جنوب قطاع غزة ان الوفد الفلسطيني المفاوض من قطاع غزة غادر الثلاثاء الى القاهرة للالتحاق بالوفد الفلسطيني الموجود هناك لبحث تثبيت التهدئة.

وكان خالد البطش القيادي في حركة الجهاد الاسلامي وعضو الوفد اعلن قبل مغادرته المعبر للصحافيين “لاول مرة نكون موحدين في موقف فلسطيني من اجل وقف العدوان على غزة”.

ويضم الوفد الى جانب البطش، عضوي المكتب السياسي لحماس خليل الحية وعماد العلمي والنائب عن فتح فيصل ابو شهلا.

ووافقت اسرائيل وحركة حماس مساء الاثنين على تهدئة في قطاع غزة لمدة 72 ساعة اعتبارا من صباح الثلاثاء.

ويتواجد ممثلو الفصائل الفلسطينية الرئيسية في القاهرة منذ يوم الأحد الماضي، واتفقوا على وثيقة مبدئية لبدء مفاوضات تؤدي لرفع الحظر الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ سبع سنوات.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث