هل ينجح اليمن في اجتثاث القاعدة؟

هل ينجح اليمن في اجتثاث القاعدة؟
المصدر: إرم – خاص

تلقى تنظيم القاعدة في اليمن ضربة موجعة، خلال الأيام العشرة الأولى من الحملة العسكرية المكثفة التي بدأت قوات الجيش والأمن اليمنية، بمساعدة مجموعات شعبية، بتنفيذها مع نهاية الشهر الماضي، تحديدا في 29 إبريل/نيسان الماضي.

وأعلنت وزارة الدفاع اليمنية، في التاسع والعاشرمن شهر مايو/أيار الحالي، إتمام سيطرتها شبه الكاملة على المناطق والمواقع التي كانت مجاميع من تنظيم القاعدة تفرض سيطرتها عليها في محافظتي أبين وشبوة الجنوبيتين، طوال العامين الماضين.

وجاءت الحملة العسكرية ضد معاقل عناصر تنظيم القاعدة في اليمن، بعد عامين تقريبا من تكبيد فرع التنظيم الإرهابي العالمي، قوات الجيش والأمن اليمنية خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، عبر تبني تنفيذ مجموعة عمليات نوعية استهدفت منشآت ومؤسسات ومعسكرات وألوية الجيش في مناطق مختلفة من البلاد.

وتبنى فرع تنظيم القاعدة في اليمن، الذي أصبح يعرف بـ”تنظيم القاعدة في جزيرة العرب” بعد دمج فرعي القاعدة في اليمن والسعودية مطلع العام 2009، واتخاذه من اليمن مقرا له، ما لا يقل عن خمس عمليات نوعية وقوية استهدفت مؤسسات سيادية للجيش والأمن اليمني، خلال الفترة من أوآخر سبتمبر/أيلول 2013، وحتى مطلع إبريل/نيسان 2014، من بينها عملية تفجير السجن المركزي بالعاصمة صنعاء في 13 فبراير/شباط 2014، وتحرير 29 سجينا ينتمون لتنظيم القاعدة، إلى جانب تبنيه أيضا العمليات المتواصلة في اغتيال الضباط طوال الفترة الماضية، بحسب تقارير غير رسمية.

وأثار تسجيل بثه تنظيم القاعدة أواخر مارس/آذار الماضي، يظهر فيه عشرات المسلحين من القاعدة وهم يحتفلون باستقبال المحررين من السجن المركزي بصنعاء في إحدى المناطق الجبلية في اليمن، علامات استفهام كبيرة بشأن تزايد أعداد التنظيم وقدرتهم على التحرك بحرية في اليمن، دون خشية لا من ضربات الطائرات بدون طيار (الأمريكية)، أو من السلطات اليمنية.

ويعتقد بعض المحللين أن الحملة العسكرية الأخيرة ضد التنظيم في اليمن، جاءت برغبة أمريكية ودعم واشنطن، نتيجة قلقها من هذا التسجيل الأخير الذي بثته القاعدة، وظهر فيه زعيم التنظيم، اليمني: ناصر الوحيشي، مع عشرات المسلحين حوله،وهو يلقي كلمة تضمنت تهديدا ضد أمريكا وكل من يتعاون معها من الجيش اليمني.

وتصف واشنطن الوحيشي بالرجل الثاني في تنظيم القاعدة على مستوى العالم بعد أيمن الظواهري، وتعتبره ولي عهده في قيادة التنظيم الدولي.

ويعتقد بعض المراقبين أن زيارة وزير الدفاع اليمني اللواء الركن محمد ناصر أحمد الأخيرة إلى واشنطن في إبريل/نيسان الماضي، كانت للتنظيم والتخطيط لهذه العملية العسكرية الأخيرة ضد تنظيم القاعدة في اليمن، حيث بدأت مباشرة بعد أيام قليلة من عودته من واشنطن.

وسبقت الحملة العسكرية أربعة أيام من تكثيف الضربات الجوية ضد معاقل القاعدة في محافظات أبين وشبوة الجنوبيتين (427كم، 474كم – على التوالي – جنوب شرق العاصمة صنعاء)، ومحافظة البيضاء الشمالية (226 كم شرق صنعاء)، وهي المحافظات التي تتواجد فيها عناصر القاعدة بكثافة، وتبسط سيطرتها على بعض مديرياتها.

ويعتقد أن تسجيل القاعدة الأخير، كان في المنطقة الواقعة بين محافظتي أبين وشبوة.

وفيما لو صحت الأخبار الواردة من وسائل الإعلام الرسمية، طوال فترة الأيام العشرة الأولى من الحملة العسكرية الموسعة، فإن تنظيم القاعدة تكبد في تلك المعارك خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، فضلا عن طرده من مواقعه الإستراتيجية التي ظل محميا ومتخفيا بها بعد استيطانه فيها طوال الفترة الماضية، كونها تتمتع بتضاريس جبلية صعبة الوصول إليها.

وعلى مدى تلك المواجهات، أعلنت السلطات اليمنية مقتل الكثير من قيادات التنظيم وعناصره، بعضهم يحملون جنسيات أجنبية، ومعظمهم سعوديون.

ويبدو، وفقا لخبراء عسكرين، أن الحملة نفذت وفق تخطيط عسكري تكتيكي على الأرض تم على محورين، هما: محور (المحفد) وهي مديرية تابعة لمحافظة أبين وكانت تحت سيطرة القاعدة، ومحور (عتق) وهي عاصمة محافظة شبوة.

وتمت العمليات بإشراف مباشر وحضور ميداني من وزير الدفاع شخصيا، ومعه رئيس جهاز الأمن القومي في البلاد، وقيادة ميدانية من قائد المنطقة العسكرية الرابعة التي تضم إداريا حدود المديريات التي أديرت فيها المعارك، (تعرض مقر المنطقة الثانية بمحافظة عدن لهجوم ومحاولة اقتحام من قبل عناصر تابعة للقاعدة في 2 إبريل/نيسان الماضي)، فيما ظل الطيران الحربي مساندا ومرشدا لتحركات قوات المشاة على الأرض.

والجمعة 9 مايو/أيار، أعلنت قيادة الجيش اليمني التحام المحورين بعد طرد عناصر تنظيم القاعدة من المناطق التي كانت تسيطر عليها وتتخفى فيها وتتخذ منها مقر القيادة ومعسكرات تدريب لمقاتليها وأنصارها، وتخطط منها لعملياتها المختلفة في طول البلاد وعرضه.

لا أحد يعلم على وجه الدقة كم هم أعضاء القاعدة المتواجدون في جبهات القتال، ولكن ظهرت مؤخرا تصريحات تحددهم ما بين 1500 -2000 مقاتل، من غير الخلايا النائمة في المحافظات، لكن أفضل التقديرات تقول إنهم لا يقلون عن ألف مقاتل في الفترة الأخيرة، يتوزعون في محافظات: أبين، شبوة، وحضرموت (الجنوبية)، و محافظات: البيضاء، مارب، والجوف (الشمالية).

وفي إحصائية غير مؤكدة، تفيد بعض الأخبار أن الحملة العسكرية الأخيرة حصدت أكثر من 100 مقاتل، وأسرت ما لا يقل عن 20 شخصا.

في الأيام الأولى من الحملة، استخدم تنظيم القاعدة مواقع التواصل الإجتماعي (تويتر، وفيسبوك) لخوض معركته الإعلامية، حيث انشأ فيها صفحة باسم “أخبار أنصار الشريعة”، ومن خلالها بدأ ببث أخبار المعركة وفقا لروايته، التي كانت تأتي في معظمها مخالفة ونافية للمعلومات التي تضخها وسائل الإعلام التابعة للحكومة والجيش والأمن، وبثت عليها صورا لآليات تابعة للجيش قالت إنها سيطرت عليها خلال المعارك.

لكن التنظيم، مع ذلك، لم يصدر عنه حتى اليوم أي بيان رسمي عبر مؤسساته التي عرف طوال السنوات الماضية بنشره بياناته الرسمية عبرها، سواء في المواقع التابعة للتنظيم أو المناصرة له، كما أن المنبر الوحيد الذي كان يتبنى رواية تنظيم القاعدة لسير المعارك على الأرض، عبر صفحة تويتر، لوحظ توقفه بعد أيام عن تحديث المعلومات، في الوقت الذي أغلقت فيه الصفحة على الفيسبوك.

وكان من اللافت، أن حملة الجيش اليمني ضد تنظيم القاعدة حظيت بتأييد شعبي واسع على صفحات التواصل الإجتماعي، ووسائل الإعلام المحلية الخاصة والأهلية. كما أنها حظيت بتأييد كافة الأطراف السياسية في البلاد، عبر إصدارها بيانات التأييد للحملة ومؤازرة الجيش والدولة.

ومع ازدياد الضغط الميداني على عناصر التنظيم، عمدت عناصر مسلحة تتهمها السلطات اليمنية بأنها تابعة لتنظيم القاعدة، إلى القيام بعدة محاولات سعت من خلالها إلى فتح جبهات أخرى في مناطق مختلفة من البلاد، بينها محاولة فاشلة لاستهداف مقر الأمن القومي بمحافظة حضرموت في 3 مايو/أيار، وعملية فاشلة أخرى استهدفت موكب محافظ محافظة البيضاء (267 كم شرق صنعاء) وتقع على الحدود مع محافظة أبين التي تجرى فيها المعارك.

تكللت تلك المحاولات بعملية في العاصمة صنعاء، في 5 مايو/أيار، أسفرت عن اغتيال مواطن فرنسي يعمل في وحدات الأمن التابعة للاتحاد الأوروبي، وإصابة آخر كان برفقته، كما نجحت في اليوم ذاته عملية اغتيال ضابط يمني في معهد اللغات العسكري في العاصمة أيضا.

إلى حد ما، نجحت العمليتان في نقل تركيز الصحافة بعيدا عن جبهات القتال، وشنت صحف محلية هجوما لاذعا ضد وزارة الداخلية اليمنية لضعفها في الحفاظ على الأمن، وعجزها عن القبض على القتلة.

بعد يومين، نجحت قوات تابعة لوزارة الداخلية في العاصمة صنعاء، في 7 مايو/أيار، من قتل أحد العناصر التي وصفتها بأنها خطيرة بعد اشتباكات مع قوات الأمن.

وقالت اللجنة الأمنية العليا (رسمية) إن الإشتباكات نجم عنها مقتل زعيم الخلية المسؤولة عن عمليات الأغتيالات والاختطافات الأخيرة، بينها اغتيال ضابط الأمن الفرنسي، كما أعلنت اللجنة الأمنية العليا أنها القت القبض على خمسة من عناصر خلية إرهابية مسؤولة عن اغتيالات الأجانب بصنعاء.

وبعد يوم واحد، في 8 مايو/أيار، أعلنت الأجهزة الأمنية عن مقتل اثنين “إرهابيين” في اشتباكات مع الأمن في العاصمة صنعاء.

والجمعة 9 مايو/ أيار، هاجم مسلحون، قالت السلطات الأمنية إنهم تابعون للقاعدة، دورية عسكرية في العاصمة صنعاء – بالقرب من دار الرئاسة اليمني، وقتلوا ثلاثة جنود وأصابوا اثنين آخرين.

ووصفت العملية بأنها تعكس “هستيرية” واضحة من أنصار تنظيم القاعدة، للجوئهم إلى القيام بأية عمليات غير مخطط لها مسبقا، وفقط تسعى من خلالها إلى إثارة الفوضى والتخفيف من حجم انتصارات الجيش الواضحة في ميدان المواجهات على الأرض، حتى إنها لجأت إلى استهداف أفراد دورية أمنية (جنود أمن عاديين) في مكان مكتظ بالناس وحركة السيارات، بعد أن كانت تركز فقط على عمليات نوعية ثمينة، واغتيال ضباط كبار.

وفي الوقت الذي أظهرت فيه الحملة العسكرية الموسعة ضد مواقع وأوكار تنظيم القاعدة في اليمن، قدرات الجيش في مواجهة تلك العناصر على أرض المعركة، إلا أن ثمة مخاوف من عدم إكمال المهمة ومطاردتهم في الأماكن التي سيفرون إليها.

وفي مقابل إعلانات الجانب الحكومي عن انتصارات ساحقة للجيش ضد القاعدة، يحرص محللون متخصصون بشؤون الجماعات المتشددة على عدم التسرع في الحكم على هزيمة عناصر القاعدة بشكل نهائي وبات.

ويجعل هؤلاء طبيعة تكوين تنظيم القاعدة ونوعية وشكل المعارك والمواجهات التي تمرس عليها، في مقدمة المعطيات الضرورية للحكم على هزيمته من عدمها.

وهنا يرون أن طبيعة المعارك الميدانية العسكرية التي يخوضها الجيش مع القاعدة، ليست هي المحك الفعلي للحكم على هزيمة التنظيم في اليمن، الذي خصص أفراده لتنفيذ عمليات انتحارية ثمينة وأخرى نوعية تتسم جميعها – كي تحقق الهدف – بعنصر (المباغتة) ضد منشآت الجيش عبر خطط هجومية تبدأ بتفجير سيارات مفخخة ثم الهجوم بالأسلحة، ولم يعتد او يتدرب تقريبا على رد هجوم ميداني ضد معاقله.

لذلك يعتقد المحللون أن الخطة الأنسب للتنظيم في مثل هذه الحملات العسكرية المنظمة هي تفضيل الانسحاب من مواقعه على المغامرة والبقاء فيها لخوض مواجهة خاسرة، محسومة سلفا. ذلك أن تكتيك الانسحاب أدعى للحفاظ على قيادات التنظيم وعناصره الفاعلة، أملا في التجمع لاحقا وإعادة رص الصفوف والتخطيط لتنفيذ عمليات نوعية ذات تأثير أقوى في المستقبل، كما حدث في الحملة العسكرية السابقة ضدهم في محافظة ابين منتصف العام ٢٠١٢، والتي عاد التنظيم بعد عام منها أقوى وأشد خطرا من ذي قبل.

وكما حدث في ٢٠١٢، يعتقد اليوم أن قيادات التنظيم الرئيسية والكثير من عناصره فروا إلى محافظات مجاورة لمناطق المواجهات.

لكن تصريحات المسؤلين اليمنيين، على رأسهم وزير الدفاع توحي باستفادتهم من أخطاء الحملة العسكرية السابقة.

وتشدد تصريحات الوزير على ان المعارك ستتواصل في تعقب عناصر القاعدة الفارة إلى المحافظات، ولن تتوقف الا بعد اجتثاث التنظيم بشكل نهائي، في الوقت الذي اعلنت فيه السلطات المحلية في المحافظات المتوقع فرار عناصر القاعدة اليها، استعدادها التام لمواجهتها وقتالها.

لكن، مع ذلك أيضا، يبقى الحكم النهائي على إمكانية نجاح الحملة العسكرية في تحقيق هدفها ذاك بنسبة كبيرة، مرتبطا بقدرة قيادة الجيش على مواصلة تماسك أفراده ومؤسساته المختلفة وكسر قاعدته المعروفة في العمل وفقا لسياسة “النفس القصير” كما هي عادته دائما.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث