إيران تحدد مصير المالكي

ضغوط طهران والمصالح الشخصية تسهمان في تعديل طبيعة التحالفات السياسية

إيران تحدد مصير المالكي
المصدر: بغداد ـ (خاص) من عدي حاتم

ارتفعت حظوظ رئيس الوزراء نوري المالكي في تجديد ولايته، بعد حصوله على دعم طهران الكامل، ومباشرتها بممارسة الضغوط على الأطراف الشيعية والكردية للقبول بالولاية الثالثة.

وما إن انتشرت تسريبات عن تغير الموقف الإيراني لصالح تجديد ولاية المالكي حتى بدأت مواقف الكتل السياسية، لاسيما الكردية، تلين ولو على مضض.

ويربط المراقبون بين تغير الموقف الإيراني الذي كان منقسماً بشأن ولاية المالكي، وبين الاعتراف بـ” إتفاقية الجزائر” التي تعطي نصف شط العرب لإيران، والوضع في سوريا.

ويعتقد المراقبون أن “طهران إدركت أنه لايمكن لأحد من جميع الأحزاب والتيارات الشيعية حتى حزب الدعوة الاسلامي ذاته أن يحفظ المصالح الإيرانية بقدر المالكي”، مذكرين بـ”حجم التبادل التجاري وفتح العراق للمصارف الإيرانية التي تقوم بتحويل ملايين الدولارات يوميا على الرغم من العقوبات الدولية المفروضة على طهران”.

ويلفت المراقبون إلى أن “إيرن استغلت أيضا حالة التردد لدى أمريكا وانقسام إدارتها بشأن تجديد ولاية المالكي، في حسم موقفها وإنهاء حالة الانقسام التي كانت موجودة داخل المنظومة الحاكمة في طهران لصالح المالكي”.

لا ثقة بوعود الصدر

وعلى الرغم من خروج الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر ببيان يؤكد فيه أنه لن يرضخ للضغوط الإيرانية، لكن لا أحد يثق بوعود الصدر، فهو أظهر تشدداً أكثر عام 2010 ضد حصول المالكي على ولاية ثانية، لكنه سرعان ما تراجع وغيّر موقفه بعد ضغوط إيرانية والتلويح له بالملاحقة القضائية بشأن تورطه بقتل رجل الدين الشيعي عبد المجيد الخوئي عام 2003 .

هذا الملف هو ما لوح به المالكي في الذكرى الـ 11 لمقتل الخوئي التي مرت في 10 نيسان /إبريل الجاري، إذ استثمرها رئيس الوزراء في بث تسريبات عن عزمه إعادة فتح القضية واعتقال مقتدى الصدر.

مصدر في “التحالف الوطني الشيعي ” يؤكد أن “المالكي كان عازماً على فتح الملف ضد الصدر، لكن تدخل المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني هو الذي منع المالكي من تنفيذ مبتغاه”.

ويرى المراقبون أن الصدر بدأ يتراجع مؤخرا عن مواقفه المتشددة إزاء تجديد ولاية المالكي.

ويشير المراقبون إلى تصريحات بعض السياسيين من التيار الصدري مؤخراً التي قالوا فيها إن “مسألة رئاسة الوزراء متروكة للناخب العراقي وهو الذي يحدد ذلك من خلال صناديق الاقتراع التي تحدد الكتلة الأكبر التي يمكنها تسمية مرشحها لرئاسة الوزراء”.

ويضيف المراقبون أن “جواب الصدر على سؤال أحد أتباعه أمس كان ضعيفا ولم يكن حاسما”.

وكان مكتب الصدر نشر سؤالاً من أحد اتباع الصدر بشأن مايشاع من أن” ايران ستضغط على الصدر ليعود إلى الساحة السياسية ويدعم المالكي لولاية ثالثة”، وكان جواب الصدر هو: “لا أظن ذلك”.

وسائل إيران للضغط

وتمتلك إيران وسائل كثيرة قد تنجح في تغيير موقف الصدر من الولاية الثالثة للمالكي، وأهم هذه الوسائل هو ارتباط القاعدة الشعبية للتيار الصدري بمرجعية إيرانية هي مرجعية آية الله كاظم الحائري .

والحائري هو الأب الروحي لـ “حزب الدعوة الأسلامي”، ويتبع بصورة كاملة للمرشد الإيراني علي خامنئي، فضلا عن الفتوى التي أصدرها الحائري عام 2010 والتي حسمت الموقف لصالح حصول المالكي على ولاية ثانية ومن خلال إجبار الصدر على دعمه .

ولايستبعد أن يكرر الحائري فتواه لاسيما وأنه كررها عام 2012 بعد انضمام الصدر إلى “حلف أربيل ” الذي ضم أيضا رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، و”القائمة العراقية” التي كان يتزعمها رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي.

وكان هذا الحلف قاب قوسين أو أدنى من إسقاط حكومة المالكي من خلال سحب الثقة عنها، لكن تدخل إيران والحائري وضغطهم على الصدر، أجبره على الانسحاب ما أبقى المالكي في منصبه حتى اليوم.

وبالإضافة إلى الحائري تمتلك إيران العشرات من رجال الدين والمراجع المؤثرين داخل الوسط الشيعي العراقي، والتي يبدو إنها بدأت باستخدامهم بالتزامن مع الحملة الإنتخابية.

وكان أول رجال الدين الذي أعلن دعمه للمالكي هو رجل الدين اللبناني الشيخ علي الكوراني، الذي دعا الناخبين الى “تجديد الثقة برئيس الوزراء نوري المالكي في الإنتخابات المقبلة”، مبينا أن “هذه الدعوة هي لمصلحة العراق الذي يحتاج لرجل قوي شجاع مثل المالكي في ظل المعركة الشريرة مع عصابات داعش”.

فيما ذهب الخطيب البارز والمؤثر في الساحة الشيعية الشيخ جعفر الإبراهيمي بعيداً بتحذيره شيعة العراق من أن “سقوط المالكي في الانتخابات المقبلة يعني سقوط الشيعة وتمكن داعش والقاعدة منهم”.

كما قامت إيران وبالتنسيق مع “ائتلاف دولة القانون” الذي يتزعمه المالكي بنشر المئات من الشيوخ المعممين في قرى وقصبات ومدن المحافظات الجنوبية ذات الغالبية الشيعية لحث الناس على إنتخاب المالكي .

ويستخدم هؤلاء الشيوخ ذات المفردات التي ترعب الشيعة من “داعش والقاعدة “، ومن عودة “البعث ومن وجود مخطط إقليمي تقوده السعودية لقتل وتدمير الشيعة بعد إسقاط المالكي في الإنتخابات المقبلة”.

ولا يستخدم هؤلاء الشيوخ لحث الناس على المشاركة في الانتخابات، وانتخاب “ائتلاف دولة القانون” فقط، بل يشنون حملة ضد خصومه الشيعة لاسيما زعيم “المجلس الأعلى” ورئيس “كتلة المواطن” عمار الحكيم، وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر .

وتحقق إيران من جراء ذلك ثلاثة أهداف، الأول ضمان فوز المالكي، والثاني إجبار الحكيم والصدر على التحالف مع المالكي بعد الإنتخابات، تحت ضغط القاعدة الشعبية الشيعية التي صورت لها طهران أن “المالكي هو منقذها من خطر داهم، وأن من لايقف معه فهو خائن للشيعة”.

وفي مواجهة مرجعية النجف، تستخدم إيران الزعيم الروحي لـ”حزب الفضيلة” المرجع الشيخ محمد اليعقوبي لمواجهتها الذي يدعم تجديد ولاية المالكي.

الأكراد والسنة

الموقف الكردي تغير كثيراً خلال هذا الأسبوع فالحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني أعلن أنه” سيحترم خيارات الشعب العراقي فيما اذا اختار رئيس الوزراء نوري المالكي”.

وقال القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني ومحافظ أربيل نوزاد هادي في تصريح صحفي: نتمنى أن يقوم الشعب العراقي بالتغيير من خلال صناديق الإقتراع، لكننا ككرد سوف نحترم خيارات الناخبين في حالة تجديد انتخاب المالكي وحصوله على الأغلبية وذلك لا يقلقنا كإقليم كردستان ونحن نؤمن بالديمقراطية”.

بدوره، نفى نائب رئيس كتلة “التحالف الكردستاني” النائب محسن السعدون، وجود أي تحالفات أو تفاهمات للأكراد مع “ائتلاف متحدون” أو”ائتلاف الوطنية” أو غيره بشأن تشكيل الحكومة الجديدة.

واكد أن “التحالف الكردستاني” يتريث بالتحالفات مع الكتل الاخرى من أجل بيان الصورة الحقيقية لنتائج الانتخابات وما سوف يتمخض عنه”.

وكان نواب من “ائتلاف متحدون ” أعلنوا وجود تفاهمات بين كتلتهم والأكراد وكتلة الحكيم والتيار الصدري لتشكيل الحكومة الجديدة. لكن كتلتي الصدر والحكيم سرعان ما نفت هذه الأنباء، مؤكدة أنهما “تركزان على حملتهما الإنتخابية، وأي تحالفات تكون بعد الإنتخابات وليس قبلها”.

كما أن التسريبات الإعلامية تشير إلى أن المالكي بدأ يعمل لتصفير مشاكله مع الأكراد من أجل الحصول على دعمهم.

وفي الوسط السني وعلى الرغم من العهود التي قطعها رئيس ائتلاف” متحدون للإصلاح ” رئيس البرلمان أسامة النجيفي بعدم السماح لتجديد ولاية المالكي، إلا أن الواقع يقول عكس ذلك لاسيما في ظل وجود كتل سنية تدعم المالكي وانقسام “متحدون” ذاتها.

ولايبدو أن “ائتلاف متحدون” متفق على الوقوف ضد المالكي، بوجود زعيم “صحوة العراق” أحمد أبو ريشة، التي تشير التسريبات إلى تحالفه مع المالكي على الرغم من أنه أحد قادة “متحدون “.

كما يضم ائتلاف “متحدون للإصلاح “الكثير من الكتل التي لديها مصالح وعلاقات وطيدة مع المالكي، والتي يعتقد المراقبون انها ستغير موقفها الرافض للولاية الثالثة بمجرد حصولها على مواقع مهمة بالدولة والحكومة”.

ويشير المراقبون إلى “كتلة الحل بقيادة جمال الكربولي والتركمانية بزعامة رئيس الجبهة التركمانية النائب أرشد الصالحي، وصلاح الدين للتنمية برئاسة عمار يوسف وعشائر ام الربيعين برئاسة حسن علو الجبوري وعمل برئاسة النائب سليم الجبوري”. وجميع هذه الكتل منضوية في “متحدون ” .

من جانب أخر ، كشف القيادي في ائتلاف “متحدون للإصلاح” النائب وليد المحمدي عن “وجود مفاوضات وجهود للتقريب بين المالكي ووزير المالية السابق رافع العيساوي”.

وأكد المحمداوي أن “شيوخ عشائر وقيادات سياسية تعمل على إنهاء الخلاف بين المالكي والعيساوي”.

وعلى الرغم من أن مفوضية الانتخابات استبعدت العيساوي من المشاركة، إلا أنه يتزعم “تجمع المستقبل” المنضوي في ائتلاف “متحدون”.

ويعد العيساوي من أهم وأكثر السياسيين السنة تأثيراً على أهالي الانبار والمحافظات ذات الغالبية السنية. ويُتوقع أن يحصد “تجمع المستقبل” غالبية مقاعد محافظة الانبار.

وجميع المعطيات تشير إلى أن المالكي يمتلك الحظ الأوفر في الحصول على رئاسة الوزراء للمرة الثالثة، ولن يمنعه إلا وجود رفض قاطع من جانب واشنطن، لكن حتى هذه الأخيرة أعلنت ترحيبها بأي شخص يحظى بالأغلبية البرلمانية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث