لماذا تغرق فنزويلا في الأزمة؟

لماذا تغرق فنزويلا في الأزمة؟

إرم- (خاص) من مدني قصري

قالت صحيفة “ليزيكو” الفرنسية “بعد انطلاقها من أوساطِ الطلبة صارت الثورة الاجتماعية تهدّد اليوم دولة هشًة”. تضخمٌ متصاعد، ونقصٌ حادّ في المواد الغذائية، وانعدامٌ للأمن. تلك هي أسباب السخط الذي يخيم على فنزويلا. وتلك هي الأوضاع التي باتت تخيف الدول المجاورة، وعلى رأسها البرازيل تحديدًا.

مظاهراتٌ يومية، ونحو ثلاثين قتيلا، ومئات من الجرحى. فنزويلا صارت منذ شهر فبراير/شباط الماضي فريسة لموجة ملتهبة من العنف الذي تعاني السلطة السياسية في إخماده.

فلكي نفهم جيدًا هذا الوضع لابدّ من الرجوع إلى الوراء قليلاً. فالمواجهة التي انطلقت من أوساط الطلبة ما لبثت أن توسعت شيئًا فشيئًا لتمتدّ إلى أكثر طبقات السكان حرمانًا. فجميع هذه الطبقات تحتج ضد ارتفاع الأسعار، وانعدام الأمن، وضد نقص المواد الأساسية على الخصوص.

فنزويلا، هذا البلد البترولي الذي يملك احتياطيات من بين أهم الاحتياطيات في العالم يعيش اليوم فريسة لانقطاعات الكهرباء، والماء، وأدهى من ذلك يعاني من نقصٍ حاد في المواد الغذائية.

لا شك أنّ لأزمة اليوم جذورٌ أقدم عهدًا بكثير، تعود إلى الفترة التي كان فيها هوغو تشافيز رئيسًا للجمهوية. وهو ما يعني أن نيكولاس مادورو، الذي خلف تشافيز على رأس البلاد منذ أقل من عام، يدير اليوم دولة ليس مسؤولاً عن أوضاعها الحالية، مسؤولية مباشرة. والحال أنّ نيكولاس مادورور الذي يصف نفسه بـ “ولي العهد” لهوغو تشافيز يجد صعوبة جمة في فرض سلطته. والمسألة مسألة شعبية بالتأكيد، ومسألةُ شخصية أيضًا. فهو لا يملك لا طلاقة وهذر الراحل، ولا رباطة جأشه. بل إنه عكس الراحل تمامًا. وهكذا، فعندما كان هوغو تشافيز يهاجم العدوّ الأميركي كان يفعل ذلك مع بعض “التبختر” الذي لا يملكه خلفُه. فلعل الخطابة الأساسية لا زالت هيَ هيَ، لكن حُجج نيكولاس مادورو، عندما ينتقد المؤامرات التي تدبّرها واشنطن، لا تجد أيَّ صدى.

ومع ذلك فإنّ غضب الشارع يرغمه على الخروج من هذا التصور المفرط في التبسيط. فبعد القمع الشديد الذي مارسه في الأيام الأولى، فها هو يرى بلاده تغوص في الفوضى، من دون أن يعرف أحدُ متى سيتوقف هذا الانحدار نحو الهاوية.

لم يتوان نيكولاس مادورو في السعي لإنعاش شعبه بقدرٍ من الأوكسجين. ففي نهاية فبراير/ شباط أنشأ نظامًا للصرّف يعمل بسرعتين، من أجل تقليص الضغوط التضخمية، مع منح المؤسسات الاقتصادية تسهيلات الحصول على العملات الصعبة. إذ مع تمكنّها من الاستيراد بسهولة تستطيع هذه المؤسسات أن تقلص النقص في المواد الغذائية. لكن الخطر الذي قد يسببه تنشيط الاستيراد، من دون أن تستعيد الصادرات حيويّتها، هو أنه سيساهم في تدهور الأرصدة الخارجية التي تحصل عليها البلاد من العملات الصعبة. فحتى يصبح الاقتصاد فعالاً يجب أن يكون مفعولُ العلاج سريعًا وجليًا. لأنه وراء تدهور هذه الموازنة أصبحت فنزويلا تواجه تهديدًا آخر وهو عدم قدرتها على الدفع. فإن حدث هذا فسيصبح الوضع بمثابة قطيعة حقيقية مع تشافيز الذي كان دومًا يسعى لتفادي مثل هذا الاحتمال. لذلك يجب أن يكون أسلوب تشافيز في هذا الشأن هو الخيط الموجّه لخلفه. فنزويلا، هذا البلد البترولي الخاضع للذهب الأسود بنسبة تزيد عن 90% قد تصبح فريسةً لاضطرابات اجتماعية، وليس لعجزٍ في الدفع فقط. لأن كل واحد يعرف أن احتياطي الصرف المتهاوي لن يصعد ثانية في الشهور القادمة، نظرًا لسعر الصرف الحالي.

فإن استطاع نيكولاس مادورو الخروج من هذه الواقع القاسي فسوف يكسب المزيد من المصداقية، ومزيدًا من الهيبة الرئاسية، ومزيدًا من الشرعية الانتخابية المُحكمة. فلا شك أنّ الحد من الاضطرابات سوف يُهدّئ مخاوف جاراته، وعلى رأسها البرازيل، التي تتابع الوضعية عن كثب. لأن الأزمة في فنزويلا مؤشرٌ للانشغال والقلق في كافة المنطقة.

ففي هذا الصدد قرّر وزراء خارجية اتحاد دول أمريكا الجنوبية “أوناسور”، تشكيل لجنةٍ هدفُها تشجيع الحوار في داخل فنزويلا، والسعي بكافة الوسائل إلى تفادي الوصول إلى نقطة اللاعودة. ففي تصور الكثير من بلدان الجوار أنّ أفضل السيناريوهات يفترض بها الاحتفاظَ بالفريق الحالي في السلطة، وهو التصور الذي يُعتبر منطقيًا إلى حد كبير، لا سيما وأن الجيش ما زال حتى هذا اليوم يقف إلى جانب الرئيس مادورو. فالحل الأمثل أن يتشكل إجماعٌ حول الجبهة الاجتماعية، لصالح بعض التدابير، لا سيما في مجال الأمن، وهي التدابير التي ستؤدي إلى التخفيف من المظاهرات. وإن كانت هذه التدابير لن تحل المسائل الجوهرية، إلا أنها ستساعد على عودة الهدوء.

غير أنّ السيناريو الأسوأ، حتى وإن بدا قليلَ الاحتمال، قد يرتسم مع تفاقم الحركة الاحتجاجية، وظهور الشروخ التي قد تتسبب فيها هذه الاحتجاجات في داخل الحزب حتمًا. وإنْ حدث ذلك فلن يجد نيكولاس مادورو بدًا من أن يغادر كرسي الحكم، وأن يعلن عن انتخابات جديدة. ويبقى الأسوأ من كل ذلك هو فرضية توسّع الأزمة، ورئيسٌ يتشبث بالسلطة. وبدلا من قمْع المتظاهرين فقد يختار العسكر الاستيلاء على السلطة بالقوة، لتغرَق البلاد بعد ذلك في غموض كامل.

شتان ما بين أوضاع اليوم وما بين الحلم الثوري الذي كان هوغو تشافيز “يبيعُه” في ذات الوقت الذي يبيع فيه بترولَه، ويقلص به الفوارق الاجتماعية. لكنّ هوغو تشافيز الذي لم يحقّق الإصلاحات الهيكلية في حينها، وظل يدعم الاقتصاد بواسطة الإنفاق العمومي، ما لبث أن ترك من بعد رحيله، بلدًا غارقًا في دائرة التضخم المتصاعد الجهنميّ، وفي نموِّ اقتصادي ضعيفٍ ومتهالك. ولذلك فإن هذا الوضع الاقتصادي المتدهور هو الذي يتعيّن على الرئيس الجديد، التخلص منه، من دون أن يُفرط في “التشافيزية” التي تظل هي القاعدة الصلبة التي أوصلته إلى السلطة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث