المراسل الصحفي.. نجومية معمدة بالدم

المراسل الصحفي.. نجومية معمدة بالدم
المصدر: بيروت ـ (خاص) إرم

لقد كانت الحروب منذ زمن تُخاض بالأسلحة التقليدية المتعارف عليها، لكن ومع مرور الوقت والتطور الذي عرفه المجتمع على كافة الصعد سيما الإعلامية جعل من المحطات رأس حربة إن لم نقل السلاح الأكثر تطوراً في خوض الحروب.

ومع التطورات الأمنية التي يشهدها عالمنا العربي والغليان الذي خلفته الثورات، بات المراسل الحربي أو المصور الصحفي هو الأداة الأكثر تأثيراً في هذه الحرب الضروس لتوثيق الحقيقة وإبرازها إلى العلن.

وللوصول إلى هذه النتيجة، فلا شك أن المراسل الصحفي يكون هدفاً مشروعاً لكل من يريد أن يخفي الحقائق، لذا تأتي نجومية هذه الفئة المهمة جداً من الصحافيين مخطوطة بالدم. فلولا المراسل والتحقيقات الميدانية والتقارير المصورة التي تنفذ على الأرض لما كان هناك من مُخبر عن كل ما حدث ويحدث.

وما يلفت الانتباه أن هذ المهمة الصعبة والتي تتطلب جرأة كبيرة جداً سيما في أيام الحروب، أنها لم تعد تقتصر على الرجل إنما دخلت المرأة إلى هذه المعادلة. وتكاد تكون الأمثلة لا تعد ولا تُحصى على كم الشهداء والمعتقلات والمعتقلين على هذا الصعيد.

ولا شك أن في مقدمة الأنظمة التي تستهدف الصحافيين هو نظام العدو الصهيوني الذي أسقط العديد من الضحايا على مدى سنوات طويلة من النزاع العربي الفلسطيني. ولكن للأسف انتقلت هذه الآفة إلى بلداننا العربية تزامناً مع الثورات في تونس وليبيا ومصر وأخيراً في سوريا التي شهدت ومازالت تشهد معارك ضروس وقد كان العديد من المراسلين والمراسلات والمصورين الصحافيين ضحية الموت أو التعذيب أو الاعتقال من قبل الأطراف المتنازعة هناك. ولم يقتصر الأمر على مراسلين عرب بل كان هناك العديد من الأجانب الذين لاقوا المصير نفسه، ولن ندخل في لعبة الأسماء لأنها لا تعد ولا تُحصى.

هذا ولا ننسى الأوضاع غير المستقرة في لبنان في ظل السيارت المفخخة التي تنفجر في أي زمان ومكان، والتي يكون المراسل الصحفي من أوائل الواصلين إلى مكان الإنفجار ما يحتم عليه تعريض نفسه لخطر كبير.

وفي هذا يقول مذيع نشرة أخبار الـ LBC بسام أبو زيد والمراسل الذي تواجد في الأماكن الخطرة أثناء الحروب اللبنانية والإنفجارات التي تحدث “عملنا يفرض علينا هذه المخاطرة، التي ترتبط نسبة خطورتها بنسبة الاندفاع الداخلي لكل شخص منا ومدى حبه لعمله… رائع أن نعيش وقائع هكذا أحداث كبيرة ولحظات تاريخية لا تتوفر لكل الناس”.

ولدى سؤاله كم هو مغامر وإلى أي مدى يدخل إلى عمق المهمات التي يغطيها أجاب “بالتأكيد هناك بعض الحذر، لكن لا أقدم عملاً ناقصاً!! أغامر لأصل إلى حدود الخط الأحمر كي يكون موضوعي كاملاً، إذا لا أحب أن أغطي أي حدث أو تطور من دون أن أكون ملماً بجميع خلفياته وجوانبه.

وعن أكثر مهمة خاضها وشكّلت خطورة على حياته يقول “هناك الكثير من المهمات!! تغطيتي للخُروقات الأمنية على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، حرب نهر البارد وحرب تموز الـ 2006، وكانت جميعها مليئة بالخطورة… من يعمل في مهنة البحث عن الحقائق هذه وينجح فيها، يستحيل أن يمل منها لأنها مليئة بالمتعة… صحيح أنها متعبة وخطرة عقلياً وجسدياً، لكن عندما يلمس من يمارسها النتائج التي يحققها وتقدير الناس له وتشجيعهم له ينسى كل التعب”.

أما مذيعة نشرة أخبار الـ MTV ومراسلتها منى صليبا التي امتهنت الصحافة مع بدء التعاون بين الحياة وLBC مع بداية حرب العراق حيث تعرّفت من خلالها إلى العمل الصحافي الصحيح. من ثم انتقلت لتكون مراسلة للـ LBC في فترة الانفجارات التي أصابت لبنان، وبعدها انتقلت إلى الـMTV. وعن هذا تقول: “اخترت أن أكون أول من يوثّق الحدث وينقله بحقيقته للمشاهد وكأن هناك سحراً وقوة أقوى مني تجذبني إلى هذه المهنة… وبحكم سكني في منطقة قريبة من كل المناطق كنت أركض إلى مكان الانفجار من دون أن يطلب أحد مني ذلك ولم يكن هناك من شيء يوقفني. كنت كلما سمعت دوي انفجار أتجه تلقائياً إلى سيارتي وأتصل بالمحطة وأبقي الخط مفتوحاً معها مخافة العطل الذي يطرأ على شبكة الاتصالات، وذلك لأكون أول من يوثّق الخبر وينقله إلى المشاهد، وهذا ما حصل معي مرات عدة”.

شغف منى بمهنتها لم يكن يُقيّد بحدود ولو على حساب صحتها، إذ تعرضت لوعكة قوية بعد تغطيتها لحرب نهر البارد، أُدخلت على إثرها المستشفى وأمرها الطبيب بأن ترتاح لمدة 10 أيام. لكن لم يمضِ يومان من هذه الاستراحة حتى سمعت دوي انفجار قريب، فأدارت محرك سيارتها ووصلت إلى مكان الانفجار الذي استهدف يومها الشهيد أنطوان غانم.

وعندما تسألها ما الذي يجبرك على ذلك تجيبك: “حماستي كبيرة في هذه المهنة إلى درجة أنها تنسيني مرضي وهذا أمر جيّد”.

أما قصتها مع حرب تموز فقصة كما قالت: “حرب تموز هي التي صنعت منى صليبا، على الرغم من أن تغطيتها لم تكن “لا على البال ولا على الخاطر”. كنت في البيت Stand By ذلك اليوم، فاتصلوا بي من الـ LBC وأعلموني بأني سأذهب لتغطية خبر اختطاف الجنديين الإسرائيليين الذي كان في بدايته خبراً عادياً، ولم يكن أحد يتوقع أن تتأزم الأمور إلى هذه الدرجة، فتوجهت برفقة زميلي المصور شربل إلى الجنوب وكانت زيارتي الأولى إلى هناك”. وتتابع: “عندما اقتربنا من الوصول إلى المنطقة الحدودية فوجئت بالقذائف تتساقط أمامنا… في البداية خفت لكن بعدها تشجعت وبقيت 3 أيام في تلك المنطقة بالملابس نفسها”.

وتكمل: “طالبني أهلي بإلحاح أن أعود، لكنني أخبرتهم بأني لن أستطيع ذلك لأن الطريق قد قطع على الرغم من أنه كان بإمكاني ذلك”.

في تلك الحرب، اختبرت منى تجربة جديدة “الهمجية التي كان يستخدمها العدو كانت توقعنا في حالة رعب شديد، فكنت أحادث ربي وأقول له “دعني على قيد الحياة وأعدك بألا أكرر التجربة”، لكنني كنت أكذب عليه، لعلمي بأنه سيعطيني أسباباً تخفيفية لأنه يدرك مدى حبي لمهنتي”.

إن خيّرت منى بين أن تكون مراسلة أو مقدمة لبرنامج أو قارئة لنشرة الأخبار تجيبك: “برأيي، المراسل شيء عظيم في الحياة الصحافية، فالصحافة ليست فقط أخبار صالونات ومن يقول لك ما الذي يدفعني إلى المخاطرة بنفسي ليس بصحافي ومن دون المراسل والمصور الصحافي (الذي أشعر بضعف تجاههم) لا حياة سياسية ولا خبر ولا تاريخ… حسي في هذه المهنة فاق المعقول وسوف أبقى مراسلة طالما تسمح لي حالتي الصحية بذلك، ولذة أن تقدمي للناس شيئاً لا يستطيع أحد غيرك أن يقدمه لا تفوقه لذة بالنسبة إليّ”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث