نظام الردع في زمن الحروب الإلكترونية

نظام الردع في زمن الحروب الإلكترونية
المصدر: إرم- (خاص)

عندما نتحدث عن نظام الردع، فإن ما سيدور في مخيلة القارئ للوهلة الأولى هو نظام الردع الدفاعي العسكري، الذي يعرف بنظام “التدمير المتبادل المؤكد”، والذي تم استخدامه بكثرة خلال الحرب الباردة، إذ كانت أية هجمة عسكرية تُقابل بهجمة مضادة من شأنها تدمير العدو وإزالة ملامح الحياة على أرضه، وهو ما يجعل من قرار توجيه أي ضربة أولية آنذاك جنونا مطلق.

وفي تقرير نشر في مجلة (آرميد فورسيز جورنال) الأمريكية، بين كاتب التقرير أن الجهود البحثية استمرت لأعوام طويلة لاستيعاب طريقة عمل نظام الردع، وذلك لتطبيقها في مجال الأمن الإلكتروني، إلا أن أحد الاختلافات الرئيسة بين الحرب التقليدية والحرب الإلكترونية، هو الجهة التي سيستخدم هذا النظام ضدها، إضافة إلى ذلك، فإن عملية إخفاء الدبابات وقاذفات الصواريخ بعد تنفيذ هجمة عسكرية أولية ليس بالأمر السهل، الأمر الذي يتيح للدول إمكانية التعرف على العدو بسهولة، وعلى النقيض، يساعد نظام “الشبكة المجهولة” منفذي الهجمات الإلكترونية على إخفاء هوية الشبكات أو الأجهزة الحاسوبية المستخدمة بعد تنفيذ الهجمات الإلكترونية، إذ يتطلب توجيه هجمة إلكترونية مضادة معرفة الجهة المسؤولة عن الهجوم الأولي، وهو أمر صعب للغاية في عالم الفضاء الإلكتروني، وخصوصا في ضل تسارع هذه الأزمة، لاسيّما أن الشفرات الحاسوبية ليس لها عناوين يمكن الرجوع إليها، كما أن الجهات أو الأشخاص المحترفين الذين ينفذون هذه الهجمات أصبحوا بارعين في إزالة أي أثر يمكن من خلاله الوصول إليهم.

وبالتالي فإنه من الضروري وجود فرق بحث جنائية جادة في هذا الشأن، كما أن تأثير هذه النقطة على السياسة العالمية متوقف على حقيقة أن الفضاء الإلكتروني أصعب بكثير مما كان يمكن أن يتصوره المفكرون الأصليون الذين ابتكروا نظرية الردع في خمسينيات القرن الماضي، وبالتالي يمكن أن يؤدي حدوث الجرائم الإلكترونية إلى ابتكار طرق جديدة لردعها بنفس الطريقة، حيث يمكن أن تقدم القدرات التقليدية تأثيرات عالمية ملموسة، ومن أجل التوصل لنظام ردع في هذا المجال، لا يمكن الاكتفاء بتتبع مصدر الهجمة الإلكترونية للوصول إلى جهاز الحاسوب أو الجهة المسؤولة عنها فحسب، وإنما ينبغي أيضا معرفة الأسباب والدوافع السياسية التي يمكن أن تكون سببا في حدوث هذه الهجمة وذلك من أجل تغيير حسابات منفذي هذه الهجمة.

وفي هذا السياق، تعد مسألة التوقيت مسألة في غاية الأهمية، ففي العصر الذي تم فيه اكتشاف السلاح النووي، كانت السرعة سببا رئيسا في التوصل إلى نظام “التدمير المتبادل المؤكد” (نظام الردع)، فكان من المهم جدا أن تُثبت الدول قدرتها على تحريك ما تحتاجه من أسلحة وصواريخ قبل أن يقوم العدو بتنفيذ أية هجمة ضدها، أما في العصر الإلكتروني، فلا يوجد هناك وقت كاف لتوجيه هجمة مضادة، حيث أن الهجمات الإلكترونية تنفذ في أجزاء من الثانية، وهناك أسباب اضطرارية لتأخير الهجمات المضادة، ومنها الحصول على إسناد أفضل أو التخطيط للرد بشكل أمثل.

وفي هذا السابق، كان الرد على هجمة عسكرية عبارة عن إطلاق صواريخ معينة لردع الضربة، يكون فيها العدو على علم بالهجمة المضادة، بينما في الوقت الحاضر، فإن استخدام برنامج فيروسي مضاد لن يكون واضحا للعيان وكذلك الآثار الناتج عنه، لاسيّما أن التأثير الناتج عن هذا الهجوم الفيروسي عادة ما يكون على شكل عطل في النظام، وبالتالي فإنه من الضروري استخدام أنواع مختلفة من الأسلحة الإلكترونية لأهداف ردعية مختلفة.

وباختصار، فإن القدرة المتنامية على تنفيذ أنواع مختلفة من الهجمات الرقمية تزيد من تعقيد مسألة الردع، فمن دون فهم واضح لحالات تم اختبارها ودراستها من ناحية الفعالية ومن دون وجود مخزون احتياطي حقيقي، ربما ستضطر الدول إلى الاعتماد بشكل كبير على نظام الردع، وفي الوقت التي تحدث فيه تغيرات كبيرة في الفضاء الإلكتروني والإلكترونيات، ينبغي أن تبقى الأهداف الأساسية لنظام الردع كما هي، وذلك حتى تتمكن الدول من قراءة أفكار العدو وتجنب الآثار الناتجة عن الهجمات الإلكترونية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث