أردوغان يتأرجح

استقالات جماعية بعد حملة ملاحقة قضايا الفساد

أردوغان يتأرجح
المصدر: إرم- (خاص) من مهند الحميدي

يضيق الخناق على رجب طيب أردوغان وسط تطور المواجهة الحالية بين حكومته والأجهزة الأمنية التي كشفت عن قضايا فساد أبطالها شخصيات حكومية وأعضاء في حزب العدالة والتنمية الحاكم.

وقد تعززت التوقعات بانسحاب أردوغان من المشهد السياسي التركي من خلال الدعوة التي وجهها له أحد أنصاره، وزير البيئة والتخطيط العمراني المستقيل “أردوغان بيرقدار”، بأن على أردوغان أن يقدم استقالته لحماية البلاد، و”لصالح الأمة”.

كما يأتي انشقاق النائب البارز وزير الداخلية الأسبق “إدريس نعيم شاهين” عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، وتصريحه بأنه يتحفظ على بعض الملفات فيما يتعلق بسياسة الحكومة في الآونة الأخيرة، ليعزز التوقعات باستقالة قادمة لأردوغان في الفترة المقبلة.

ويدعم نظرية سقوط أردوغان، الكم الكبير من الأعداء والخصوم الذين خلقهم رئيس الوزراء التركي، داخلياً وخارجياً، إذ تُعتبر تركيا اليوم على خلاف مع غالبية جيرانها وأصدقائها القدامى، بسبب ما وصفه محللون بـ “مزاجية أردوغان ومعاركه التي لا تنتهي”.

وكان محللون معارضون اعتبروا أن تقديم ثلاثة وزراء مقرّبين من أردوغان استقالتهم، وهم وزراء الداخلية والاقتصاد والبيئة، جاءت للتغطية على رئيس الوزراء وحمايته من المساءلة في فضائح أكبر قضية فساد في تاريخ تركيا المعاصر.

وانطلقت الحملة الأمنية من قبل جهاز الشرطة التركية -الذي يتمتع بهامش من الاستقلالية عن الحكومة- في 17 ديسمبر/كانون الأول الجاري، على خلفية تحقيقات فساد موسعة ومتشعبة، وطالت 24 شخصاً، بينهم نجلا وزيري الداخلية والاقتصاد، ومجموعة من رجال الأعمال والمسؤولين، وتحقّق الشرطة في أدلة لإثبات حالات رشاو و تبييض أموال، وتهريب ذهب.

في حين اتهمت الحكومة التركية والوزراء المتضررون، جهاز الشرطة بأنه ينفذ أجندات خارجية مدعومة من بعض السفارات الغربية، ومن جمعية الداعية الإسلامي فتح الله غولن الذي دعم سياسات أردوغان لسنوات، قبل أن يدب الخلاف بينهما.

وتُعتبر جماعة شيخ الدين التركي “فتح الله غولن” المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية والتي تحمل اسم حركة “خدمة” من الجماعات المؤثرة في المعارضة التركية، ويدّعي غولن أن عدد أتباع حركته يصل إلى مليون شخص على الأقل من بينهم قادة كبار في سلك الشرطة وقضاة، وتدير الحركة مدارس ومؤسسات خيرية في أنحاء تركيا وخارجها. في حين تتهم الحكومة حركة “خدمة” بأنها “تسعى سرّاً إلى خلق دولة داخل الدولة”.

ووجّه أردوغان بتاريخ 21 كانون الأول / ديسمبر الماضي تهديداً لسفراء أجانب متوعداً إياهم بالطرد من البلاد، في حال استمرارهم بالضلوع في “أعمال استفزازية” من شأنها زعزعة الأمن، والتدخل في الشؤون التركية الداخلية، في إشارة إلى السفير الأمريكي “فرنسيس ريتشاردوني” الذي اتهمه إعلام موالٍ للحكومة التركية بأنه انتقد مصرف “خلق” المملوك للدولة، لمشاركته في صفقات غير قانونية مع إيران، لكن المصرف نفى تلك الاتهامات.

ويُعتبر مدير “خلق بنك” سليمان أصلان من بين الأشخاص المتورطين بفضيحة الفساد، كما يجري التحقيق مع رئيس بلدية فاتح في إسطنبول “مصطفى دمير” العضو في حزب العدالة والتنمية الحاكم، في القضية.

ووفقاً لوكالات عالمية فإن تركيا تشتري الغاز الطبيعي والنفط من إيران بشكل غير رسمي، يحصل بموجبه المصدِّرون الإيرانيون على حسابات بالليرة في مصرف “خلق بنك” ليستخدموا تلك الأموال في شراء الذهب، الذي يتم شحن الجزء الأكبر منه إلى دبي، ثم تقوم إيران باستيراده أو بيعه، بغاية الحصول على العملة الصعبة.

وشعبياً، استفاد معارضون من تسارع الأحداث -مؤخراً- ليقودوا مظاهرات واحتجاجات ضد حكومة أردوغان الإسلامية المحافظة التي تتولى السلطة في تركيا منذ العام 2002، ودفعت الاحتجاجات الاتحاد الأوروبي إلى تحذير أنقرة من أنها تحتاج إلى ضمان الفصل بين السلطات.

وتعتبر الاحتجاجات امتداداً لما وصفه معارضون بـ “الربيع التركي” الذي انطلق من ساحة “تقسيم” في إسطنبول منصف يونيو/حزيران الماضي ليمتد إلى مدن وبلدات منها العاصمة التركية أنقرة، وأنطاكيا، وإزمير، ولكن أردوغان هاجم بشدة تسمية الاحتجاجات بالربيع التركي ووصفها بالأعمال التخريبية.

وكرد فعل على الحملة الأمنية التي هزت البلاد -عشية بداية سنة انتخابية حاسمة- أجرى أردوغان تعديلات حكومية واسعة طالت 10 حقائب وزارية، وإقالة أو نقل حوالي 70 من ضباط الشرطة الضالعين في التحقيق، ومن بينهم قائد شرطة إسطنبول “حسين جابكين” في 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي.

وبدوره تعهد الرئيس التركي “عبد الله غول” الذي يسعى للوحدة والتهدئة، بعدم التستّر على الفساد، وأن يكون الفصل في التحقيق بقضايا الفساد من قبل محاكم مستقلة.

أما مؤسسة الجيش التركي فقد تعهدت في بيان، بعدم التدخل في فضيحة الفساد، وأنها ستراقب عن كثب وبحذر التحقيق بالقضية.

وأضرّت التطورات الأخيرة بالاقتصاد التركي، حيث أدت الفضيحة إلى زعزعة ثقة المستثمرين الأجانب. وقال نائب رئيس الوزراء التركي للشؤون الاقتصادية “علي باباجان” إن “الاقتصاد الوطني تكبّد خسائر بقيمة 20 مليار دولار أمريكي حتى الآن منذ بدء التحقيقات”، ومن المتوقّع أن تشهد السياحة التركية تراجعاً، بعد حقبة من الازدهار على خلفية الاضطرابات والحروب التي شهدتها دول الربيع العربي.

ويخشى برلمانيون أتراك من المساس بهيكلية الدولة التركية، القائمة على فصل السُّلطات، التشريعية والتنفيذية والقضائية، معتبرين أن منح الأجهزة التنفيذية مثل هذه الفرصة الكبيرة للتدخل ينتهك بشدة استقلال القضاء.

ورغم أنه يُحتسب لحزب العدالة والتنمية الحاكم، النهضة الاقتصادية والانتعاش الخدمي والمعاشي الذي شهدته مناطق نائية من تركيا، بعد أن كانت مهملة لعقودٍ خلت، ومنها مدن وبلدات وقرى واقعة جنوب شرق البلاد، كديار بكر وأورفا وعنتاب وماردين، إلا أن القلاقل والاضطرابات الداخلية المدعومة بتربّص أعداء خارجيين، كلها عوامل تجعل مستقبل المشهد السياسي التركي في طريقه إلى تغيير قد لا يُرضي أردوغان وأنصاره.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث