أسرار “الحرب التركية” على مصر

أسرار  “الحرب التركية” على مصر
المصدر: القاهرة- (خاص) من محمد بركة

لم يعد من الصعب علي المراقب لمسار العلاقة بين القاهرة وأنقرة، أن يلاحظ خروجها عن نطاق التوتر العابر أو التصريحات الساخنة المتبادلة إلى فضاء ” هجوم تركي شامل” يتسم بالمنهجية والطابع الاستراتيجي فضلاً عن خروجه عن منصات رسمية، مقابل تجاهل مصري يتخلله أحياناً شجب و استنكار.

والمدهش أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لا يتوانى عن إطلاق التصريحات التي تعزز من الاتهامات المصرية بأنه ” ضالع ” في المخططات العدائية التي يطلقها التنظيم الدولي لجماعة الإخوان ضد النظام القائم في مصر.

لكن بعيداً عن تلك الاتهامات، يبقي التساؤل ملحاً: ما الذي يدفع حقاً أردوغان الى انتهاج سياسة لا يختلف أحد على طابعها العدواني- تجاه القاهرة، وهل السبب يعود إلى مجرد خسارة حليف استراتيجي بعد سقوط حكم مرسي، أم أن الأمر أبعد من ذلك؟

لقد استضاف الرجل في يوليو الماضي اجتماعاً ” شبه علني ” للتنظيم الدولي في اسطنبول تحت عنوان ” مواجهة النظام الانقلابي في مصر والعمل على إضعافه إن تعثر إسقاطه” وقاد بنفسه حملة دبلوماسية تدعو لمقاطعة القاهرة وعزلها دولياً ولا يكاد يمر أسبوع حتى أن يطلق تصريحاً نارياً جديداً يندد بالسلطات القائمة فيها .

ولا ينسى له المصريون أنه مبتكر إشارة رابعة التي يسعى التنظيم إلى تسويقها دولياً باعتبارها رمزاً عالمياً لمقاومة الظلم كما أوضح هو نفسه في آخر تصريحاته، فضلاً عن تحويل مسار سفن التصدير التركية وهي في عرض البحر لتتجنب موانئ مصر وتسلك طرقاً ملاحية بديلة.

والأمر يتجاوز التحالف الاستراتيجي بل و ” حالة التوأمة الإيديولوجية ” بين حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان والحرية والعدالة الذي أسسه الإخوان ووصلوا عبره إلى الأغلبية البرلمانية ثم مقعد الرئاسة .

وتتعدد الأسباب التي تجعل أردوغان يعادي تحرك الجيش المصري لعزل مرسي في 30 بناء على انتفاضة شعبية عارمة. ويأتي في مقدمة هذه الأسباب حساسية أردوغان تجاه ” عقدة الإنقلابات العسكرية ” وتدخل الجيش في الحياة السياسية التركية لعدة عقود، فبعد أن اطمأن نظامه لإحكام سيطرته على مقاليد الحكم يأتي المشهد المصري ليثير هذه المخاوف مجدداً.

لذا لم يكن غريباً أن يسارع حزبه الذي يملك الأغلبية البرلمانية إلى تعديل نحو عشرين بنداً في الدستور بهدف وضع المزيد من القيود على المؤسسة العسكرية بل وعلى نحو يسمح بمحاكمة قادتها أمام محاكم مدنية.

النقطة الأخرى التي لا تقل أهمية تتعلق بالضربة الموجعة التي تلقاها ما يعرف بـ

“مشروع الإسلام السياسي في المنطقة”على أثر سقوط إخوان مصر، وهو ما يهدد

مشروع الجماعة في غزة وتونس وليبيا، البلدان الثلاث التي اعتبرها أردوغان –بعد مصر- مدخله إلى استعادة حلم ” النفوذ العثماني ” القديم في الشرق الأوسط .

وتدرك النخبة التركية الحاكمة أن ما حدث في مصر يقضي على الهالة التي

تحيط بصندوق الانتخابات ولا تجعله المصدر الوحيد للشرعية بل ولا تمنح الفائز عبره شيكاً على بياض باعتبار أن الشعب يمكن أن يسترجع الشرعية كما منحها.

ويمثل هذا المفهوم خطورة على أردوغان في ظل وجود موجة احتجاج عارمة بقيادة العلمانيين واليساريين ممن لا يرضون عن توجهات أردوغان ” الإسلامية ” رغم اعترافهم بالانجازات التي حققها في الملف الاقتصادي وتحديث البلاد.

ولعل حملة القمع التي واجهت بها القوى الأمنية متظاهري ميداني تقسيم وديزي بارك خير مثال على ذلك فقد تطورت في اتجاه المطالبة برحيله، مما اضطره إلى تكرار ما كان يقوله مرسي: لقد جئت بالصندوق ولن أذهب إلا بالصندوق…

كما يدرك أردوغان أن فشل تجربة إخوان مصر يهدد الفكرة التي طالما أراد تسويقها للغرب وهي أن المستقبل في المنطقة ” للإسلام المعتدل ” الذي يمثله حزبه بحيث ستصبح ” التجربة التركية ” هي النموذج الذي ستحذو مصر حذوه ثم تتبعها بقية بلدان الربيع العربي وبالتالي على الإتحاد الأوروبي أن يتخلى عن تردده ويوافق على انضمام تركيا إليه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث