كيري يفشل في إطفاء نار الغضب السعودي

كيري يفشل في إطفاء نار الغضب السعودي

الرياض- إذا كان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قد زار الرياض ليطمئن القيادة السعودية بأن غضبها من سياسات بلاده في الشرق الأوسط لا أساس له فإن عليه بذل المزيد من الجهد.

وجمع العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبدالعزيز كبار الأمراء لحضور المحادثات التي جرت الإثنين مع كيري. وعبر هذا الترتيب عن إحترامه للتحالف القديم مع الولايات المتحدة وكذلك عن غضبه من تحركات واشنطن في الآونة الأخيرة.

ويخشى قادة السعودية من أن إدارة الرئيس باراك أوباما لم تعد تصغي إلى الرياض خاصة فيما يتعلق بالحرب الأهلية في سوريا والخلاف النووي مع إيران. وهم يعتقدون أن هذا يهدد بانتقال الهيمنة الإقليمية إلى عدوهم اللدود طهران.

وقدم كيري تطمينات للرياض قائلاً إنه يجب على الرئيس السوري بشار الأسد أن يرحل وإنه سيتم إطلاع السعوديين على تطورات المحادثات النووية مع إيران أولاً بأول.

وقال كيري بعد اجتماعه مع وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل “علاقتنا إستراتيجية وثابتة” وأضاف “من الطبيعي أن تشهد سياساتنا ووجهات نظرنا اتفاقاً في بعض المساحات واختلافاً في غيرها.”

لكن السعوديين لم يقتنعوا فيما يبدو. وقال مصطفى العاني المحلل في مركز الخليج للأبحاث “هذا هو الشعور السائد في الدائرة المقربة. يرحبون بزيارته ويحترمون رغبته في مقابلة الملك. لكنه جاء ومعه كوب نصف ممتلىء ونصف فارغ.”

وأبدت واشنطن قدراً من الاستعداد للمجازفة بتوتر علاقاتها مع الحلفاء لتحقيق هدفي الولايات المتحدة وهما تجنب التدخل العسكري في سوريا والسعي للتوصل إلى اتفاق نووي مع إيران.

لكن رسالة الرياض في الأسابيع الأخيرة كانت صريحة وعلنية على نحو غير معهود حيث تحدث رئيس المخابرات الأمير بندر بن سلطان عن “ابتعاد” كبير عن الولايات المتحدة.

وأظهرت مسارعة كيري بالزيارة أن واشنطن قلقة من أن تقوض هذه الخلافات السياسة الأمريكية في مناطق أخرى من الشرق الأوسط على الرغم من أن مصالحها الرئيسية المتصلة بضمان إمدادات النفط ومكافحة تنظيم القاعدة لم تتأثر.

ووعد كيري بمواجهة العدوان الموجه للشركاء الخليجيين “كما فعلنا للكويت في حرب الخليج.”

وفي حين أن القوات الأمريكية قادت طرد القوات العراقية من الكويت عام 1991 فإن الزمن تغير. وأظهر استطلاع أجرته رويترز ومؤسسة ابسوس الشهر الماضي أن 13% فقط من الأمريكيين يؤيدون تدخلاً أمريكياً في سوريا.

اختلافات في الأساليب

قال الأمير سعود الفيصل إن أغلب الخلافات بين السعودية والولايات المتحدة في الأساليب لكن كان واضحاً أن نقاط خلاف رئيسية ظهرت بين كيري والملك عبد الله الذي وصفه وزير الخارجية الأمريكي بأنه صديق “مخلص”.

وحضر الاجتماع إلى جانب الملك عبد الله والأمير سعود ولي العهد الأمير سلمان والنائب الثاني لرئيس الوزراء الأمير مقرن ووزير الداخلية الأمير محمد بن نايف ووزير الحرس الوطني الأمير متعب بن عبد الله. وهذه المجموعة تضم أغلب الأعضاء الكبار في الأسرة الحاكمة.

وقال محلل سعودي مطلع على أسلوب التفكير الرسمي “هذا يظهر موقفاً موحداً ويبعث برسالة قوية مفادها الرفض.”

وكانت القضية الأكثر إثارة للخلاف قرار الولايات المتحدة التراجع عن قصف سوريا بعد هجوم بالغاز السام في آب / أغسطس وموافقة واشنطن على عملية دبلوماسية للتخلص من ترسانة الأسد من الأسلحة الكيماوية.

وقال سعود الفيصل في مؤتمر صحفي إن “اختزال الأزمة السورية في نزع السلاح الكيماوي الذي يعتبر أحد تداعياتها لم يؤد إلى وضع حد لأحد أكبر الكوارث الإنسانية في عصرنا الحالي.”

وتعتبر الأسرة الحاكمة أن سوريا ميدان حرب على الهيمنة الإقليمية بين تحالف شيعي تدعمه إيران وتحالف من الدول السنية يدعمه الغرب ويضم دول الخليج ومصر وتركيا.

وعزز هذه النظرة الإستراتيجية ما يصفه مقربون من القيادة بأنه شعور بالغضب من استخدام الأسد للأسلحة الثقيلة لإستهداف الأحياء التي يقطنها مدنيون وتسيطر عليها المعارضة.

وأعلنت القيادة السعودية منذ البداية إنه لا يمكن الوصول إلى حل دون رحيل الأسد لكن على الرغم من تأكيد كيري أن هذا لايزال هدف واشنطن أيضاً تتشكك الرياض في التزام الولايات المتحدة به.

وقال روبرت جوردان الذي كان سفيراً للولايات المتحدة في الرياض منذ عام 2001 إلى 2003 في عهد الرئيس السابق جورج بوش “كيري يقول إن الأسد يجب أن يرحل. لكن (الأمريكيين) يقولون هذا منذ وقت طويل وتصرفاتهم لم تدعم هذا.”

وأشار جوردان إلى تصريحات كيري المتكررة عن عدم رغبة الولايات المتحدة في التدخل عسكرياً في سوريا.

وقال كيري الإثنين “في غياب حل عن طريق التفاوض لا نرى سبلاً كثيرة لإنهاء العنف… قابلة للتطبيق او مستساغة بالنسبة لنا لأننا لا نملك سلطة قانونية أو تبريراً أو رغبة في هذه المرحلة للدخول في خضم حرب أهلية.”

أرض محتلة

وصف مقال لغسان الإمام في عدد الثلاثاء من صحيفة الشرق الأوسط السعودية سياسات أوباما بأنها “كارثية” وانتقد بشدة ما وصفه “بالإنهزامية” في مواجهة إيران.

إنها وجهة نظر يقول العاني إن القيادة السعودية تتبناها على نطاق واسع وتخشى ألا يشاركها أوباما القناعة بأن إيران تحاول بجرأة الهيمنة على العالم العربي.

وأشار العاني -على وجه الخصوص- إلى الدور الذي لعبه هذا العام في الصراع السوري حزب الله الشيعي اللبناني – الذي تعتبره الرياض نائباً لإيران – وأن ذلك كان نقطة فاصلة بالنسبة للأمراء السعوديين.

وقال “هناك فجوة في مفهوم التهديد. عشنا مع حزب الله لسنوات كثيرة في لبنان. لكن الآن لدينا أدلة واضحة على أنه ذراع لسياسة التدخل الإيرانية.”

وفي حين تطرق كيري بالكاد لحزب الله في المؤتمر الصحفي الإثنين، كان سعود الفيصل واضحاً عندما قال إنه يعتبر سوريا أرضا محتلة…فكيف يمكن لدولة جارة المفروض أنها تعتني بحسن الجوار أن تعطي لنفسها الحق أن تدخل في حرب أهلية لتساعد طرفاً على طرف آخر… إيران في اختبار حسن النوايا الآن وربما أهم خطوة أن تأخذ في حسن النوايا أن تخرج من سوريا وتخرج حليفتها اللبنانية حزب الله.”

وربما جاء أوضح تعبير عن اختلاف الأولويات في تصريح كيري بأن التدخل الإيراني في الدول العربية أقل إلحاحاً من حل الخلاف النووي.

وقال كيري “نعي جيداً أنشطة إيران في المنطقة… وهي تثير قلقنا. نشعر بالقلق لأن إيران لها أفراد على الأرض في سوريا. يقلقنا أن حزب الله نشط وأن هذا يقترن مع دعم إيران. لكن الخطوة الأولى هي الخطوة النووية.”

وكان الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني قد صرح بأنه يريد حل النزاع الممتد منذ عشر سنوات بشأن البرنامج النووي الإيراني الذي تؤكد طهران أنه سلمي.

ويقول جوردان السفير الأمريكي السابق في السعودية إن الرياض تخشى إمتلاك طهران سلاحاً نووياً أو أن يسمح أوباما لإيران بأن تصبح دولة لا تملك القنبلة النووية لكنها تملك القدرة على إنتاج واحدة بسرعة شديدة اذا أرادت ذلك.

وقال مصطفى العاني إن الرياض ترى أن الملف النووي الإيراني أقل إلحاحاً من التدخل الإيراني في سوريا وغيرها. وأضاف “الملف النووي مهم لكنه لا يقتل 200 شخص في سوريا يومياً.”

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث