مدائن صالح الهادئة.. من عجائب الصحراء السعودية (صور)

مدائن صالح الهادئة.. من عجائب الصحراء السعودية (صور)
المصدر: حنين الوعري - إرم نيوز

تروي مراسلة موقع “البي بي سي” مرجوري وودفيلد مجريات سفرها لزيارة مدائن صالح الواقعة في الصحراء السعودية، والتي تعد ثاني أكبر مدينة للنبطيين الذين شيدوا مدينة البتراء في الأردن ولعبت دورًا هامًا في امبراطوريتهم الغامضة.

تبدأ وودفيلد بسرد المراحل الأولى من رحلتها على متن طائرة الخطوط الجوية السعودية، التي بدأت بدعاء السفر الذي كان يقوله النبي صلى الله عليه وسلم قبل السفر، وكانت مسافرة مع مجموعة من أصدقائها للمدينة الصحراوية المخفية في المملكة العربية السعودية: مدائن صالح.

 

وبينما يسمع أغلب الناس بعاصمة النبطيين، مدينة البتراء في الأردن، إلا أن مدائن صالح التي تعتبر ثاني أكبر مدينة للنبطيين ومن ضمن مواقع اليونيسكو للتراث العالمي لا تحظى بنفس الشهرة.

كانت المدينة مزدهرة ضمن الطريق الرئيسي القديم لتجارة التوابل والبهارات، ولعبت دورًا أساسيًا في بناء امبراطورية تجارية، لكن اليوم مقابر المدينة الحجرية الضخمة تعد من آخر بقايا المملكة المفقودة وأكثرها حفظًا.

وصلت وودفيلد وأصدقاؤها إلى فندق في منطقة الحجاز السعودية، والتقى بهم مرشدهم السياحي أحمد في صباح اليوم التالي، وبينما قادت المجموعة مسافة 40 كم شمال الفندق نحو مدائن صالح أخبرهم أحمد عن النبطيين الذين جاءت ثروتهم وازدهارهم من قدرتهم على الحصول على المياه وتخزينها في البيئات الصحراوية القاسية، كما أنهم كانوا يحتكرون طرق التجارة الممتدة في جنوب غرب شبه الجزيرة العربية كمدائن صالح إلى الشمال في ميناء غزة المتوسطي، وكانوا يقومون بجباية الضرائب من قوافل الإبل المحملة باللبان والمر والتوابل التي تقف عند مراكزهم المحمية للحصول على المياه والراحة.

 

الامبراطورية النبطية

إلا أنه في عام 106 م، ضمّ الرومان الامبراطورية النبطية لهم، وحلّت طرق البحر الأحمر محل طرق التجارة البرية، ولم تعد المدن النبطية مراكز للتجارة، وبدأت بذلك انحدارها حتى اختفت كليًا، أما اليوم فمدائن صالح المخفية بعيدًا في الصحراء مهجورة وصامتة ومحفوظة بشكل صادم، ولا تزال غالبية المدينة محفوظة تحت طبقات من الرمل.

أما ما تم الكشف عنه فهو مقبرة واسعة تضم أكثر من 131 قبرًا هائلًا، ففي البداية كان حجمها الهائل وعددها غامرًا، ولكن كلما نظرت عن كثب أكثر تكتشف فن النبطيين من خلال منحوتات النسور المحلقة، وأبو الهول المهيب  وحيوان الجريفين الأسطوري المغطى بالريش، ناهيك عن النقوش المعقدة.

وتقول وودفيلد : “توقفنا أمام أحد القبور، الذي كان نقشه يترجم على أنه “هاني بن تانسي وسلفه”، وانتهى بتاريخ واسم: ‘أبريل 31م منحوتة من قبل هور النحات”.

وتقدم النقوش على القبور نظرة عن الأسماء والعلاقات والمهن والقوانين والآلهة من الناس الذين عاشوا في المدائن، لم يترك النبطيون تاريخًا مسجلًا بالتفصيل، لذا فإن هذه النصوص الفريدة من نوعها لمدائن صالح قيّمة للغاية.

وأوضح أحمد أن النقوش كانت مكتوبة باللغة الآرامية، وهي لغة سامية قديمة ولغة مشتركة للشرق الأوسط في ذلك الوقت، كانت اللغة الآرامية المعرفة الأساسية للاتصالات والتبادلات التجارية، لكنهم استخدموا أيضًا شكلًا مبكرًا من اللغة العربية، وأشار أحمد لمجموعة من آثارها في النقوش.

من بين جميع المقابر، كان قصر الفريد مثيرًا للإعجاب بشكل خاص ويعود ذلك بشكل أساسي إلى حجمه، لأن الواجهة كانت بسيطة نسبيًا، كان باب مركزي مزخرف هو المدخل للقصر حيث يتم وضع الجثث في رفوف معلّقة على طول الجدران.

ومن قصر الفريد كان منظر الصحراء الصخرية دراماتيكيًا بحد ذاته، ظهرت بروزات من الحجر الرملي الذهبي على الأرضية الرملية المسطحة التي نحتت أشكالًا من الأبراج والهياكل المخروطية على مدى قرون إثر الأمطار والرياح، وبالنظر للخارج عند الوقوف داخل المقبرة كل ما رأته وودفيلد وأصدقاؤها هو آثار أقدامهم وآثار إطارات السيارة.

على عكس البتراء المليئة بالسياح وباعة المواد التذكارية وركوب الحمير، لم يكن هناك أي شخص آخر في مدائن صالح. لا يزور المسلمون المنطقة لأنهم يعتقدون أن المنطقة لُعنت، كما أن تأشيرات السياحة لدخول غير المسلمين للمملكة العربية السعودية يصعب للغاية الحصول عليها.

ومما ساهم في الحفاظ على مدائن صالح سليمة هو غياب الحركة إضافةً لمناخ المملكة العربية السعودية الصحراوي الجاف، ففي حين أن واجهة البتراء بدأت تتفكك ببطء إلا أن قبور مدائن صالح محفوظة بشكل مذهل.

جبل أثلب

تجوّلت المجموعة داخل المقبرة بإرادتها، مراقبين داخل وخارج القبور بينما يلمسون الحجارة القديمة فاقدين شعورهم بالوقت، وبعد بضع ساعات صعدوا إلى عربتهم وتوجهوا شمالًا إلى  جبل أثلب المشهور بالنقوش المنحوتة بشكل رائع داخل الشق ويعتقد أنها كانت محرابًا لعبادة الإله النبطي دوشارة “إله الجبال”.

أما الجدران الجرفية المتعرجة من السيق، الذي يعد ممرًا طبيعيًا ضيقًا طوله 40 مترًا يقود إلى جبل أثلب، فقد زيّنت بأصنام منذورة للآلهة النبطية منحوتة في الصخور إضافةً إلى نقوش من الجمال على الجدران.

وأشار أحمد إلى سلسلة من القنوات التي كانت تنقل المياه سابقًا إلى الخزانات وهي من الأمثلة على قدرة النبطيين على التحكم بمياه الأمطار وجريان المياه الجوفية.

ثم بدأوا رحلتهم على طول منحدر جبل أثلب الجنوب شرقي لتسلق الجبل وكانت هذه مهمة شاقة لوودفيلد نظرًا لارتدائها الزي الإجباري للنساء في المملكة “العباءة السوداء”، لكنها تقول إن رحلتها الشاقة حتى القمة كانت تستحق العناء حيث نظروا للغرب إلى سهل شاسع وبدأت تخيل صورة من الماضي، اقتراب التجار والجمال من مدائن صالح وعرباتهم الممتلئة باللبان المستخرج من أشجار اللبان التي تعد نادرة بقدر قيمتها، وكان سيصبح من المقدر لهم الانتقال إلى أثر الرومان واليونانيين والمصريين.

 

عندما غمست الشمس تحت الأفق، تحركت وودفيلد والمجموعة عائدين  نحو ضواحي المدينة القديمة، ووقفوا عند مجموعة من المقابر، ونشروا سجادًا مزخرفًا بألوان زاهية على الرمال، وشربوا القهوة العربية وتناولوا المعمول المليء بالتاريخ وأمامهم أضيئت مقابر مدائن صالح باللون الذهبي مع اختفاء الشمس، الصمت حلّق من حولهم مثل بطانية سميكة بينما شاهدوا ألوان الصحراء تتلاشى ببطء في الظلام.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث