إيران تغتصب دورا في اليمن

إيران تغتصب دورا في اليمن

تاج الدين عبد الحق

لا تلتقي مصالح الولايات المتحدة وإيران، في العراق فقط، بل في اليمن أيضا، وربما في مناطق أخرى في الإقليم. ففيما يشبه توزيع الأدوار، تعلن إيران عن رفضها للغارات الأمريكية على العراق وسوريا، وتعتبرها انتهاكا لسيادة البلدين وللقوانين الدولية، لكنها من الناحية العملية تعمل كل ما في وسعها لانجاح مهمة التحالف، وتعمل من وراء حجاب لتسهيل ضرباته العسكرية.

في المقابل لا تتردد الولايات المتحدة في إدانة الانقلاب الحوثي، المدعوم من إيران. لكنها عمليا تغض الطرف عن الاستحواذ الحوثي على صنعاء، لأن أولويتها هناك ليست الحوثيين، بل القضاء على تنظيم القاعدة وتحجيم القوى الإسلامية والقبلية التي تدعم هذا التنظيم، وهي أولوية تتقاطع لأسباب عديدة، مع مصالح الحوثيين، والإيرانين الذين يدعمونهم، لتصبح حكومة اليمن، التي دفعت ثمنا فادحا لتحالفها مع واشنطن، وحيدة في ميدان لا تفتقد فيه القوة الذاتية فقط، بل يغيب عنه الدعم الإقليمي والدولي أيضاً.

إيران على ضوء هذه التطورات المفاجئة، تجد نفسها حليفة لواشنطن في العراق واليمن دون اتفاق مكتوب، أو على الأقل دون اتفاق معلن. وما يمكن لطهران أن تقدمه، من تأثيرمباشر أو غير مباشر، أهم بكثير للولايات المتحدة، من تأثير المشاركة في الضربات الجوية، ولذلك فإن الإدارة الأمريكية حريصة على التنسيق مع حكومة روحاني، حتى لو أنكرت ذلك إعلاميا، أو تمنعت عن اظهاره دبلوماسيا وسياسيا.

فقنوات الاتصال بين البلدين قائمة، إما بذريعة الملف النووي الإيرني الذي كان مظلة للاتفاق على الوضع العراقي، أو عبر الأوروبين الذين لديهم خطوط اتصال ساخنة مع القيادة الإيرانية، وهي خطوط قادرة، ومستعدة دائما لتوصيل الرسائل بين طهران وواشنطن.

إيران تلعب مع الولايات المتحدة، لعبة تبادل المصالح، وهي تعتمد النفس الطويل، ولاتتحرك إلا في الوقت المناسب، لتقبض أولا بأول، ولا تدفع شيئا إلا بمقابل. كما في حالة حليفها نوري المالكي الذي قدمته وهي تعلم أنه ورقة خاسرة في لعبة ترتيب البيت العراقي، لتحصل في المقابل على براءة ذمة تعطيها ورقه التأهل كلاعب احتياط، في الحرب، على تنظيم داعش، يُدعى للمشاركة عندما تحين اللحظة المناسبة، أو تكون هناك ضرورة.

ضمنت أن ضربات التحالف لسوريا، ستكون بحدود مرسومة ، وأنها مهما تعمقت لن تطال نظام الأسد، وأن حليفها في دمشق سيبقى حاضرا كقربان، أو شريك يُقدم على مذبح التسوية السياسية للأزمة السورية، في مرحلة ما بعد داعش.

أعطت الضوء الأخضر لحلفائها الحوثيين، بعد أن تأكدت أن هناك غفلة إقليمية عنهم، وتجاهلا دوليا لهم. ليكونوا، في مرحلة تالية رأس حربة في المساومات التي ستجري بشأن العديد من الملفات الإقليمية الساخنة.

إيران، بعكس خصومها الأقربين، لا تدفع من كيسها، والمعارك التي تخوضها في دول الجوار، لا تدخلها دفاعاً عن أمنها، بل لتهديد أمن الآخرين، ووسيلة للضغط عليهم. أرخت الحبل لتنظيم داعش في العراق ولم تتدخل، إلا بعد أن أصبحت مواجهته أولوية لدول الأقليم أكثر منها بالنسبة لإيران.

ساعدت، بصمت، ودون كلل الحوثيين في اليمن، ونجحت في خلط الأوراق هناك، بعد أن تركت الخليجيين ينفردون زمنا، بساحة سياسية تعلم طهران سلفا أنها وصلت لدرجة عالية من الفساد الذي لا ينفع معه دعم مالي ولا اتفاق سياسي.

اليمن اليوم ساحة المواجهة الحقيقية، حتى وإن كانت الأضواء مسلطة على العراق وسوريا. فالحريق الذي دفع دول الخليج للتحرك من أجل احتوائه في العراق، ومنع وصوله إلى المنطقة، بات على الأعتاب في اليمن، والانفجار الذي تتردد أصواته في سوريا والعراق باتت أصداؤه مسموعة في اليمن، ونذره واضحة هناك.

دول الخليج تستشعر الخطر القادم من خاصرتها الجنوبية، لكنها تعجز عن التحرك، إذ أنها تفتقر إلى شريك يمني فاعل، فلها ثأر مع كل الأطراف المتحاربة هناك. لها ثأر مع الإخوان المسلمين ومن يواليهم من تنظيمات متطرفة أو متشددة، ولها ثأر مع الحوثيين، الذين فتحوا الباب لصراع طائفي يستقوي بقوى إقليمية طامعة، أو متحفزة.

المشكلة أن النسيج اليمني هو من نفس القماشة الخليجية، وأية مواجهة حتى لو ظلت محصورة داخل اليمن، وضمن حدوده ستكون لها ارتدادات إقليمية أين منها ارتدادات الحالة السورية، ومن قبلها الحالة العراقية!

الخيارات أمام دول الخليج في اليمن محدودة، والتدخل المباشر لإعادة الأمور إلى نصابها بات أصعب مما كان عليه الحال في السابق. ولو كان الأمر سهلا اليوم، لفعلت دول المنطقة ذلك بالأمس، لكن الاحتواء السياسي للأزمة اليمنية بات مكلفا وقد يتطلب من دول الخليج، التي تتحمل العبء الأكبر في هذا المجال، دفع أثمان لا تدفعها لليمن فقط، بل لإيران أيضا، بعد أن باتت الأخيرة شريكة في القرار السياسي اليمني، كما كان الحال في لبنان أولاً والعراق وسوريا تاليا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث