الوساطات القبلية تقوض مؤسسات اليمن

الوساطات القبلية تقوض مؤسسات اليمن
المصدر: القاهرة – (خاص) من محمد نوار

تعتبر اليمن دولة ذات خصوصيات فريدة من نوعها، سواء على مستوى المجتمع، أو الدولة نفسها، وغالباً ما يتم حل النزاعات الشخصية على أيدي شخصيات قبلية اجتماعية مع تجاهل أجهزة الدولة وأروقة القضاء، عن طريق لجان الوساطة، التي تقوض الدولة وسيادة القانون، بالإضافة إلى أن البلاد لديها قوانين غير مكتوبة تسمى الجمارك، والتي تكون بمثابة مرجع من أجل حل النزاعات الطارئة من أي نوع وفي أي وقت، فمثلاً من الطبيعي لشرطي المرور في شوارع صنعاء أن يتدخل لإنهاء نزاع ينشأ عن اصطدام السيارة، لكن مع العرف التقليدي يتم حل الأزمة وفقاً للثلثين والثلث، وهى قاعدة شهيرة، وتعني أن الطرف الذي تسبب في الحادث سيتحمل التكلفة لثلثي الأضرار، في حين تتحمل الضحية الثلث المتبقي، دون اللجوء إلى مركز الشرطة أو السير على طريق الدعاوى القضائية.

د. عمر عبد العزيز الخبير في الشأن اليمني قال: إن اليمن طوال تاريخها دولة ذات تقاليد وبعد ثقافي واجتماعي قديم، نظراً للطبيعة البدوية والقبلية التي تتحلى بها البلاد، لكن هذه الموروثات زادت بشكل فعال عقب رحيل عبد الله صالح من السلطة وانهيار المجتمع في الفوضى السياسية والأمنية، ورغم أن الوساطات القبلية تتعارض مع القانون وتساهم في مزيد من تهميش قوة الدولة بعدم اللجوء إلى القضاء للفصل بينهما.

وأضاف عبدالعزيز أن الشعب اليمني اختار أن تكون هذه العادة ضمن أولوياته لإنهاء النزاعات بشكل عاجل، موضحاً أنه على الصعيد الوطني أو الرسمي فإن الأمور لا تختلف كثيراً، وفي الواقع فإن المبادرة الخليجية التي تم بموجبها تنحي صالح عن السلطة، فإنها قامت على أساس تقاسم السلطة، وهي إلى حد كبير مشابهة لمبدأ “الثلثين والثلث”، وهي القاعدة التي تستخدم من قبل رجال المرور لإنهاء الخلافات الطارئة، حيث أصبحت هذه الثقافة منهج تتبناه الدولة، ولذلك جنحت الدولة نحو خيارات العادات والحلول المعتدلة، حتى لو كان الثمن هو سيادة القانون وهيبة الدولة.

وأكد أن لجان الوساطة حلت محل الدولة في الخلافات، كما أن الدولة نفسها في كثير من الحالات تكون طرفاً في النزاع الذي يحتاج إلى حل وتعتمد على القبلية لإنهاء النزاعات التي تطرأ بينها وبين المعارضة بتشكيل ما يعرف باسم “لجنة الوساطة” لحل النزاعات التي تنشأ بين الدولة ومجموعات مسلحة خارج إطار الدولة للتوصل إلى اتفاق.

واتفق مع الرأي السابق د. طارق فهمي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، مضيفاً أن تأجيل الصراعات وعدم وضع نهاية دائمة لها، يسهم في تعميقها مستقبلاً، خاصةً عندما يتم التفاوض مع مجموعات مسلحة تمتلك الأسلحة الثقيلة وتحارب الجيش في بعض المناطق، وعلى الرغم من أن القانون يجرم ذلك والمفترض أن السلطات الأمنية تسعى إلى نزع السلاح، وإجبار هذه المجموعات على ذلك في إطار النهج المدني وترسيخ هيبة الدولة.

وأشار أن الخطورة تكمن في أن مجموعات الوساطة قد تقترح على مسئولي الدولة دفع مبالغ من المال للعصابات، مقابل أن تتوقف عن تدمير خطوط الكهرباء وأنابيب النفط أو اختطاف الأجانب في اليمن، وهو ما دفع كثير من المسلحين للقيام بأعمال تخريبية على أمل الحصول على أموال من الدولة.

في حين يرى د. عبد الله الأشعل أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، أنه تم تشكيل الوساطة الرئاسية التي شكلها الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، بعد أن فشلت الوساطة القبلية في التوصل إلى وقف إطلاق النار بين الحوثيين الشيعة المدعومين من إيران والسلفيين الموالين للمملكة العربية السعودية، الذين كانوا في حالة حرب لمدة أسابيع استمراراً للمعارك التي بدأت في عام 2011 بسبب اختلاف العقائد، حيث نجحت الوساطة الرئاسية في وقف الحرب مؤقتاً، مؤكداً أن الهدنة بين الحوثيين والسلفيين معرضة للانهيار في أي وقت بعد أن رفض طرفي النزاع المسلح الموافقة على إخلاء المواقع العسكرية وتسليمها للجيش.

ويعتقد د. حازم حسني، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن السلطة الجديدة في البلاد عليها أن تختار بين أسوأ خيارين، فإما تفعيل هيبة الدولة بغض النظر عن العواقب أو قيام دولة القبليات بأعرافها وقوانينها الموازية، وإذا لم تخرج اليمن من هذه الحلقة المفرغة من الوساطات فإنها لن تجد طريقاً أمام فرض هيبتها واحترام القانون.

د. مصطفى علوي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، يرى أنه رغم الدور الهام الذي لعبته القبائل اليمنية في إنجاح الثورة وإسقاط عبد الله صالح، إلا أن دورها في صياغة مستقبل اليمن وبناء الدولة المدنية الحديثة لا يزال أمراً شائكاً أمام مؤسسات الدولة والأوساط السياسية، نظراً لكونها مازالت تعتمد على قوانينها الخاصة وتتجاهل سلطة الدولة والقانون، مؤكداً أن نفوذ القبائل صنعه الرئيس السابق الذي استمر لأكتر من 33 عاماً، حتى استطاعت النفوذ في كل مفاصل الدولة، حتى أن الدولة برمتها خضعت إلى التحكيمات القبلية، بما فيهم عبد الله صالح نفسه الذي خضع للتحكيم القبلي في قضية مقتل الشيخ (جابر الشبواني)، وهو ما يؤكد أن القانون القبلي يخضع له الجميع بما فيهم رئيس الدولة، وهو مبدأ يتعارض من الدولة الحديثة وسيادة القانون، فضلاً عن أن القبيلة في اليمن لا تزال تفرض نفسها كلاعب رئيسي على مؤسات الدولة، وصانعي القرار كونها تمتلك نفوذاً داخل الحقل السياسي والعسكري والاجتماعي، لافتاً إلى أن قابلية التغيير في المفاهيم بين القبيلة والدولة أمر صعب وبعيد المنال في اليمن، ولن تستطيع الدولة فرض قوانينها على القبيلة، في المقابل لن تتخلى القبيلة عن مجابهة الدولة أو الابتعاد عن الوساطات لحل النزاعات، وفي الوقت الذي تغيب فيه الدولة، كما حدث أيام الثورة ضد الرئيس السابق، تحضر القبيلة بأعرافها وتقاليدها.

خدمة ( وكالة الصحافة العربية )

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث